Site icon ترك ميديا

ماذا يجري في البحر الأسود؟

احداث البحر الأسود

يوسف دينتش

لأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية تصبح السفن المدنية هدفًا… ليس فقط في البحر الأسود، بل في بحر الصين الجنوبي، وخليج عدن، وفنزويلا، وجميع مناطق التوتر؛ البحار كلها ساخنة.

هذا الوضع يُعدّ إشارة إلى اقتراب ذلك “الاحتمال الثالث” المنتظر…

سواءً أخذتم الأمر من قانون الحرب، أو من مونترو، أو من توازنات البحر الأسود… نظريًا لا يجوز استهداف أي سفينة في البحر الأسود، مدنية كانت أم حربية.

ونظريًا، وإن شئتم قولًا وراثيًا أيضًا، هناك سفينتان لا يمكن استهدافهما أبدًا في البحر الأسود: سفينة تركية وأخرى روسية.

لكن خلال الأسابيع الماضية أصيبت أولاً سفينة غاز تحمل العلم التركي في ميناء أوديسا.

والآن سفينتان تحملان علم غامبيا قبالة سواحل كيفكين…

ومن المعروف عالميًا أن هاتين السفينتين الغامبيّتين من السفن ذات الملكية المجهولة التي تستخدمها روسيا ضمن “أسطول الظل” للالتفاف على العقوبات.

وبما أن سفنًا تركية وروسية تُستهدف في البحر الأسود بما يخالف النظرية، فعلينا أن نكون منتبهين.

كما أن استهداف التجارة والطاقة يجعل الحوادث بالغة الأهمية.

فالأمر يتعلق بالجيو-اقتصاد، الذي يُفهم أيضًا على أنه “علم استخدام أدوات السلم كأسلحة حرب”.

ورغم أن التعريف هنا انعكس تمامًا لأن الأهداف المدنية ضُربت بأسلحة الحرب، إلا أن السياق لا يتغير.

أحد الاحتمالات الناتجة عن هذه الأحداث هو وجود “يد ثالثة” تحاول إعادة تشكيل العلاقات التركية ـ الروسية.

وإذا كانت هذه السفن قد ضُربت لهذا الغرض، فهذا يعني أن مشكلتنا كبيرة وخطيرة للغاية.

كافيةٌ لدرجة أن هذه اليد الثالثة التي تحاول إعادة تشكيل العلاقات التركية ـ الروسية رغمًا عن الأتراك والروس، يجب العثور عليها وكسرها…

فالجميع يعلم أن حادثة السفينتين غويبن وبريسلَو، التي جرّت تركيا إلى الحرب العالمية الأولى، ما زالت حاضرة في الذاكرة.

بصراحة، واحدة من أكثر الظواهر استثنائية في العالم هي أن ينظم الأتراك والروس علاقاتهم بأنفسهم.

ولا يجب السماح لأحد بإفساد ذلك.

وصراعنا الكبير الآن مع الروس، ويجب أن يتقدم وفق حساباتنا الاستراتيجية نحن وليس غيرنا.

وموضوع هذا الصراع هو الطاقة والأمن والسيادة.

وإذا وضعنا حزب العمال الكردستاني جانبًا، فمرحلة هذا الصراع الساخنة بدأت مع غزو روسيا لجورجيا بهدف إفشال مشروع نابوكّو الذي كان مشروعًا تركيًا.

تقدّم الروس 1 ـ 0 في الساحة الجورجية.

ثم واصلوا الهجوم وحققوا في سوريا الهدف الثاني 2 ـ 0.

ثم في القرم أصبحوا متقدمين 3 ـ 0.

سعت تركيا، التي تراجعت بسرعة، إلى إعادة التوازن، وحدثت نقطة تحوّل غيرت الحسابات فعلًا: 15 يوليو.

بعد 15 يوليو بدأت العلاقات أو الصراع التركي ـ الروسي يسير لصالح تركيا.

وأرى 15 يوليو من هذه الزاوية حدثًا بالغ الدلالة.

فمنذ ذلك التاريخ وجدت تركيا فرصة لتنظيم علاقتها مع روسيا من محور مستقل، لا من محور واشنطن.

وقد ربط الطرفان بين محاولة اغتيال السفير كارلوف و15 يوليو.

وبعد أن وجدت تركيا محورها وتغيرت الحسابات، أصبحت النتيجة في ليبيا 3 ـ 1.

وأذكّر بأن النفوذ الروسي في ليبيا يمتد لخمسين عامًا.

ثم في مالي أصبحت النتيجة 3 ـ 2.

إذ لم يُترك لروسيا مجال لملء الفراغ الذي خلّفته فرنسا.

وأخيرًا في قره باغ أصبحت النتيجة 3 ـ 3.

ثم تمكنت تركيا في سوريا من التقدم 4 ـ 3.

اليوم النقطة الجنوبية الأقصى لنفوذ الروس هي جورجيا.

نحن لا نستطيع أن نصبح جيرانًا لروسيا اقتصاديًا أو سياسيًا أو اجتماعيًا، ولا الروس يستطيعون ذلك معنا…

الصراع القادم سيكون في جورجيا، ثم في القرم…

إن كان اليوم أو غدًا، أو أي يوم…

من الآن فصاعدًا سيبقى البحر الأسود على أجندتنا.

سواء جاء زيلينسكي زائرًا أو حتى جاء البابا ليو الرابع عشر، سيبقى الموضوع حاضرًا.

البحر الأسود ليس مجرد بحر؛ إنه ساحة لعب لمستقبل قوتين عريقتين، وكيف ستتشكل مستقبَلاتهما.

وهو مقياس توازن القوة.

والطريقة الوحيدة لعدم نشوب مشكلات بيننا هي أن نبقى وجهًا لوجه في البحر الأسود.

ما يعرفه الروس هو الآتي: عندما ننهي مشكلاتنا معهم، سنبدأ بحل مشكلاتنا مع الآخرين… وهذا مصلحة مشتركة للطرفين.

في المشكلات التي لا نستطيع حلها مع الروس، يتدخل آخرون.

ربما لا نستطيع أن نصبح جيرانًا برًا، لكن لا يمكننا أيضًا قبول أن تصبح أمريكا جارًا لنا. وقد دفع الروس ثمن عدم حلهم مشكلة زنغزور ثمنًا باهظًا.

اقرا ايضا: زيارة إمرالي في تركيا .. قراءة في الخلفيات والرسائل والسيناريوهات المحتملة

Exit mobile version