إبراهيم قره غُل
أخذت تركيا السلاحين معًا من أيديهم. تُفكّك التنظيمات في وسائل التواصل الاجتماعي. لكن عليها أن تستعدّ عاجلاً لِما بعد ذلك.
يجب إعادة تعريف الجناح الإعلامي لـ”محور تركيا”. يجب إنشاء “مُسيّرات إعلامية”. يجب أن يُمَلْيَن رأس المال الإعلامي. ويجب منع امتلاك وسائل الإعلام عبر الأموال غير المسجلة.
بدأت التنظيمات ذات الطابع السياسي والإثني والإرهابي أو القائمة على المصالح في وسائل التواصل الاجتماعي تفقد تأثيرها.
ومع تصفية هذه التنظيمات المريضة والمصطنعة التي كانت تحدد الأجندة الرئيسية لتركيا، تصبح أجندة البلاد أكثر هدوءًا وأكثر جودة.
وهذا يفتح أمامكم فرصة جديدة تمامًا: فرصة لتعزيز الإنتاج الفكري وإثراء المحتوى، ولرفد انطلاقت تركيا على المستوى العالمي بمجهودات نوعية.
كما يوفر إمكانية لتحويل الانحطاط الذي انعكس على جميع مجالات الإعلام إلى جودة حقيقية.
“وسائل التواصل الاجتماعي” أصبحت سلاحًا موجّهًا نحو الدولة والأمة.
لقد تحولت وسائل التواصل الاجتماعي، التي يُفترض أن تكون مساحة للحرية، إلى مساحة للاستعباد العقلي، وإلى مجال لعمى مجتمعي.
والأسوأ من ذلك، أصبحت سلاحًا موجهًا نحو الدولة والأمة.
لقد أصبحت أداة وصاية فوق الدولة والسياسة والفرد والدين والإيمان والروابط الاجتماعية والقيم الأخلاقية، وأصبحت وسيلة لتشيطن كل شيء، وسلاحًا يبرر شرور البشر.
وصلت تركيا إلى “نهايات الأعصاب” في العالم. إذن حان وقت العودة إلى حقيقة تركيا.
أدى ذلك إلى تغيير المعادلة بين الحقيقة وما يتم تسويقه كواقع، وإلى تبدلٍ بين الإنسان والعقل الصناعي، وإلى تبادل بين الحق والزيف، ليس في تركيا وحدها بل في العالم كله.
وهذا أدى إلى ضياع الدول وانحلال المجتمعات.
بدأت عمليات التصفيات التي استهدفت الحسابات التي تُنفّذ بها العمليات السرية تبدّد الغيوم السوداء فوق تركيا.
ربما سنستيقظ ونتجه إلى الألوان الحقيقية للحياة وإلى الحقائق التركية الحقيقية.
وهذا تحديدًا هو الوقت المناسب لذلك.
لقد أصبحت تركيا دولةً قادرة على الوصول إلى “نهايات الأعصاب” في العالم، في مناطق الأزمات كما في مناطق السلام، وفي مساحات الصراع كما في الشراكات.
لم تعد هناك دولة أو أمة لا تستطيع تركيا الوصول إليها أو التعامل معها.
لقد أصبحنا دولة عملاقة: يجب تفكيك أدوات التدخل الداخلي.
لقد أصبحت تركيا دولة عملاقة ليس في محيطها فقط بل في العالم كله، دولة تُحترم كلمتها على كل الطاولات، ويُحسب موقفها في كل تفاوض وشراكة.
لقد انتشرت عملية بناء القوة هذه لدرجة أن الهدف الأساسي لـ”التدخل الداخلي” أصبح إخفاء ذلك ومنع انعكاساته على وعي الأمة.
ولذلك، أصبح تفكيك أدوات التدخل الداخلي وتفريق الجبهة المعادية لتركيا في الداخل أهم حتى من تحصين الجبهات الخارجية.
يجب تنظيف هذه المجالات الفاسدة التي تتدفق فيها الأموال الضخمة.
هذا ما تفعله تركيا اليوم.
فبعد عشرات السنين من البُنى التي أُقيمت عمومًا من الغرب لإيقاف تركيا وإضعافها وإيذائها وحتى إخضاعها، بدأت تركيا معركة وطنية ضدها.
كنتم ترون هذه البُنى كتنظيمات إرهابية فقط، ولكن خلال السنوات الأخيرة تقدّم “الإرهاب عبر وسائل التواصل” و”الإرهاب السياسي” على الجميع.
كانت هذه مجالات فاسدة تدار عبر كونسورتيومات متعددة الجنسيات وتتدفق فيها الأموال الطائلة.
كان لا بد من تنظيفها، وها هي تُنظّف.
“عار” انعدام الثقة بالنفس.
هذا هو الانكسار الإعلامي الثاني، الذي يراقبه الصحفيون عن كثب.
كنا قديمًا نتابع يوميًا ما يجري في الولايات المتحدة وأوروبا، وما يكتبه الغرب عن تركيا، وما يتم قوله في وسائل إعلامهم ضد تركيا، ومن يُستكتبون، وما ينشرون…
وكانت كلماتهم وكتاباتهم وأخبارهم تهزّ تركيا وتتسبب بأزمات سياسية.
كان كل شيء يقاس بمشروعية تمنحها وسائل الإعلام الغربية. وهذا عار، لكنه كان نتيجة انعدام الثقة بالنفس داخل البلاد.
الانكسار الأول: تلاشي قدرة الإعلام الغربي التقليدي على “ضبط” تركيا.
ثم رسمت تركيا طريقها الخاص.
لم تعد الانقلابات وتعيين القادة والتنظيمات السياسية والتطورات المتعلقة بالسياسة الخارجية والمنطقة وحتى مكافحة الإرهاب تُصاغ وفق ما يريده الغرب، بل وفق ما تراه تركيا حقًا وحاجة وأولوية، وبقدرتها هي.
تلاشى تأثير الإعلام الغربي فجأة.
لم يعد أحد يهتم بما يكتبون، ولا يقتبسون منهم.
بل أصبح الغرب هو الذي يلاحق خطوات تركيا.
لقد انعدمت قدرة الإعلام الغربي التقليدي على “ضبط تركيا”.
كان هذا هو “الانكسار الأول”.
وبعده مباشرة تحركوا لإنشاء “تنظيمات وسائل التواصل الاجتماعي”.
ثم بدأت التنظيمات الغربية، الأمريكية والأوروبية والإسرائيلية، تنشط بسرعة على منصات التواصل الاجتماعي.
وقد نُظّمت فيها مجموعات من المواطنين الأتراك، ومن عناصر فاعلة تتبع لمنظمات إرهابية، ومن أجهزة استخباراتية سرية.
وصلوا إلى قوةٍ لا يسمع فيها غير أصواتهم، ولا تُعتبر فيها كلمات غيرهم. وتعرضت تركيا لضغط داخلي كبير عبر هذه العمليات السرية.
كانت هذه الحسابات تُدار وتموّل من الخارج، وتُشوّه كل ما تقوم به تركيا، وتضرب ثقة الناس بدولتهم.
الانكسار الثاني: تفريق تنظيمات وسائل التواصل الاجتماعي.
اليوم تأتي القيود على الحسابات المرتبطة بهذه التنظيمات السرية.
هذه البُنى التي كانت تكبر القتال وتثير الفوضى وتدمر السلم الاجتماعي يجري تفكيكها.
ومع تراجع تأثيرها يبدأ الهدوء بالعودة إلى تركيا.
ويكفي فقط أن نرى كيف كانت بقايا تنظيم فتح الله كولن تستخدم الكماليين واليساريين وحزب الشعب الجمهوري وتستغلهم حتى نفهم حجم العبث.
والآن، بعد الإعلام التقليدي، يجري تفكيك شبكات النفوذ في وسائل التواصل أيضاً.
وهذا هو “الانكسار الثاني”.
ضعف الإعلام التقليدي… يجب إنهاء هذا الإصرار اليائس.
لقد اختارت تركيا طريقًا خاطئًا حين حاولت مواجهة التنظيمات الرقمية بأدوات الإعلام التقليدي.
الآن ثبت أن الإعلام التقليدي عاجز عن مواجهتها، وأصبح تدخل الدولة أمرًا حتميًا.
لقد تآكلت قوة الإعلام التقليدي في التأثير على الرأي العام والتعبئة. وهذا واقع عالمي.
ورغم ذلك تُنفق مئات الملايين على هذا المجال، ويُخصص له مئات الملايين من الإعلانات، ويستمر هذا النضال اليائس.
ولا أحد يفهم ما المنطق في ذلك.
قبل أن ينتجوا سلاحًا جديدًا… يجب تأسيس “مُسيّرات إعلامية” أقل تكلفة وأكثر فعالية.
في المقابل، تستطيع العديد من البُنى الإعلامية الرقمية الصغيرة تقديم تأثير أكبر بكثير، وبشكل أكثر محلية وأكثر قتالية.
ويجب دعم هذا المجال بقوة.
وإلا فسيبتكر خصوم تركيا سلاحًا جديدًا ويستخدمونه، وسنعود مجددًا إلى “تدخل متأخر”.
بتكلفة عشر الإعلام التقليدي يمكن بناء قوة إعلامية مذهلة أقوى منه عشر مرات.
يمكن عبر هذه “المسيّرات الإعلامية” تنفيذ أعمال رأي عام شديدة الفعالية داخل تركيا وعلى المستوى العالمي.
الوفاء لـ”الأساليب القديمة التي استُنفدت” سيُلحق بنا ضررًا كبيرًا قبل أن نفهم حجم الخطر.
يجب على تركيا أن تتجه فورًا إلى هذه المجالات.
نحتاج إلى عقيدة إعلامية جديدة، وسياسة إعلامية جديدة، وبنية جديدة.
يجب أن يتحول إعلامنا إلى “عقل يتقدم الصفوف”.
كان يجب أن نكون الآن نتحدث عن إنتاج تراكم فكري يواكب الخطوات الكبرى التي تتخذها تركيا، وعن تعريف جغرافيا جديدة، وصياغة تعريفات جديدة للقوة، ومناقشة مستقبل تركيا لعشرات السنين.
فبينما يعاد تشكيل العالم بعد مئة عام، وتُعاد حسابات القوة، وتنتقل تركيا بهويتها الجغرافية والتاريخية إلى القرن الحادي والعشرين، وتحدث زلازل فكرية وثقافية، كان يجب أن يتحول إعلامنا إلى “عقل يتقدم الصفوف”.
يجب أن يكون رأس المال الإعلامي وطنيًا. ويجب منع امتلاك الإعلام عبر أموال غير مسجلة.
لقد نزعت تركيا السلاحين اللذين كانا يُستخدمان ضدها.
وعلينا الآن أن نرى الحقيقة: تركيا تحتاج إلى بنية إعلامية جديدة. وإعادة توزيع هذه القوة وإدارتها يجب أن تكون بيد أهلها.
أولًا يجب أن يكون رأس مال كل مؤسسة إعلامية وطنيًا.
وإذا لم يكن كذلك فيجب التدخل وإعادة وضعه على المحور الوطني.
فهذا مسألة أمن داخلي، بل وأمن خارجي أيضًا.
كما يجب سحب القوة من كل من يمتلك وسائل إعلام عبر الأموال القذرة أو أموال المخدرات أو العمليات المالية غير المشروعة.
وكل البُنى الإعلامية ذات الأجندات السرية يجب أن تُعاد إلى المحور الوطني.
إذا تأخرنا ودخلنا عصر “ما بعد وسائل التواصل الاجتماعي” ونحن متأخرون “ثلاث أجيال”… فسننتهي. يجب إعادة تعريف الجناح الإعلامي لمحور تركيا.
الإنفاق الضخم على الإعلام التقليدي أصبح خسارة. والاستمرار في هذا الاتجاه أصبح بلا معنى.
فالآن نعيش زمن ما بعد وسائل التواصل الاجتماعي، والتشبث بالقديم يعني التأخر ثلاثة أجيال.
نحن نُنشئ قوة تركيا، وموقف تركيا، ومحور تركيا، عبر التكنولوجيا والدفاع والسياسة الخارجية.
ونحقق نجاحات هائلة. و”مفاجأة تركيا” تنتشر في كل القارات.
إذن، يجب تعزيز الجناح الإعلامي للأمن القومي ومحور تركيا، والتوجه بقوة نحو المجالات الجديدة. وهذا ليس خيارًا ترفيهيًا، بل ضرورة نتجت عن أثمانٍ دفعناها ولا نريد دفعها مجددًا.
اقرا ايضا: زيارة إمرالي في تركيا .. قراءة في الخلفيات والرسائل والسيناريوهات المحتملة

