تقارير

تركيا والصناعات الدفاعية.. الدوافع والمستقبل المنتظر

تعلم اللغة العربية بالتفاعل

تركيا والصناعات الدفاعية.. الدوافع والمستقبل المنتظر

ترك ميديا

تركيا تتجه نحو التحرر من التبعيّة العسكرية وتحقيق الاكتفاء الذاتي، بل وتصدير جزء من هذه الصناعات

كان من اللافت خلال متابعة أخبار الشأن التركي الأسبوع الماضي، تصدر الصحف التركية أنباء تُفيد فوز تركيا بمناقصة بيع 4 سفن حربية إلى القوات الباكستانية، هي الأولى والأكبر من نوعها في تاريخ الصادرات العسكرية التركية، أيضًا، كان لافتًا جدًا الأنباء التي أشارت إلى عقد وزارة الدفاع التركية اتفاقيات تعاون في مجال الصناعات الدفاعية مع وزارة دفاع كلٍ من البوسنة والهرسك والجبل الأسود وأوكرانيا.

فتركيا الأمس التي كانت بحاجة ماسة لأسلحة تدافع فيها عن نفسها، بدت وكأنها تتجه نحو التحرر من التبعيّة العسكرية وتحقيق الاكتفاء الذاتي، بل وتصدير جزء من هذه الصناعات، إلى جانب تبديل مبدأ الاستيراد المقيّد بإذن الدولة الموردة عند الاستخدام، بمبدأ الاستيراد المُعتمد على الاستيراد التكاملي الذي ظهر في استيرادها لمنظومة الدفاع الجوي الروسية “إس 400″، حيث تم الاتفاق مع روسيا على مواءمة الأسلحة التركية والرادارات مع المنظومة وتطوير منظومات تركية.

ينبع مصطلح المصلحة القومية أو الوطنية في العلاقات الدولية من الحاجات والرغبات التي تدركها دولة ذات سيادة لخدمة أمنها القومي الدفاعي والعقائدي “الفكري” والسياسي والاقتصادي والإلكتروني

لقد سجلت تركيا نقطة التحوّل من دولة مستوردة للسلاح إلى دولة مصدرة لأول مرة عام 2014، فيما تجدر الإشارة إلى أنها جنحت لتصنيع أسلحتها منذ عام 1933، حيث شملت الخطة الاقتصادية الخمسية “1933 ـ 1938″، مشروع تصنيع بعض الأسلحة الخفيفة، وبعد الحصار الخانق الذي فُرض عليها من الغرب بسبب تدخلها العسكري في جزيرة قبرص عام 1974 وحتى عام 1980، اتجهت صوب تأسيس عدة مراكز لتطوير صناعاتها العسكرية كمركز الصناعات العسكرية الإلكترونية “أسيل سان” “1974” وشركة صناعة الفضاء التركية “توساش” “1984”.

وعلى الرغم من تأسيس تركيا لهذه المراكز والمؤسسات، لم تستطع تحقيق اكتفاء ذاتي نسبي إلا عام 2015، حيث باتت تُنتج ما يقارب 54% من مجموع حاجتها العسكرية. وفي سياق هذا كله، يظهر للسطح التساؤل التالي عن الصناعات الدفاعية التركية، ما دوافع تركيا لتحقيق الاكتفاء الذاتي وتصدير الأسلحة الدفاعية؟

دوافع تركيا لتحقيق الاكتفاء الذاتي

– المصلحة القومية

ينبع مصطلح المصلحة القومية أو الوطنية في العلاقات الدولية من الحاجات والرغبات التي تدركها دولة ذات سيادة لخدمة أمنها القومي الدفاعي والعقائدي “الفكري” والسياسي والاقتصادي والإلكتروني، إلخ في إطار علاقة ذلك بتحرك الدول الأخرى ومسعاها، وانطلاقًا من هذا الاصطلاح، يُلاحظ أن إدراك الدولة لحاجاتها على الأصعدة كافة يشكل أساس المصلحة القومية التي تُحفظ بتحرك سلطة هذه الدولة نحو رعاية وتوفير هذه الحاجات التي تضمن لها الاستقلال السيادي.

وفي ضوء ذلك، فإن تركيا حالها كحال الدول القومية الأخرى، تشعر، ومنذ تأسيسها كجمهورية عام 1923، بضرورة تأمين حاجتها من الصناعات الدفاعية التي تكفل لها استقلالاً سياديًا فعليًا وليس شكليًا، وربما وجود بعض المؤسسات القومية الفعلية فيها كرئاسة الوزراء ومجلس الأمن القومي ومؤسسات التخطيط الإستراتيجي، وغيرها، لعب دورًا كبيرًا في إدراكها لمصلحتها القومية.

– الأخطار الجيوسياسية

في الحقيقة، إدراك تركيا لمصلحتها القومية، لم ينبع من وجود بعض المؤسسات القومية فيها فقط، فالأخطار الجيوسياسية الكبيرة والمتنوعة التي تُحيط بها لها أيضًا دورها الملموس في دفعها نحو تطوير الصناعات الدفاعية، الجيوسياسة تعني تدافع عدد من الدول نحو ربط سياستها الخارجية بحيزٍ جغرافيٍ معينٍ يوفر لها أهمية أمنية واقتصادية إستراتيجية.

وبحسبان الأهمية الجيوسياسية لمنطقة الشرق الأوسط، يُلاحظ، وبلا عناء، حجم الدول المتدافعة على المنطقة من أجل تقاسم المقدرات الاقتصادية وتوفير توازن قوى ضد بعضها بعضًا، ولعل لامس عدد كبير من شعوب المنطقة فراغ السلطة الذي سببه هذا التدافع في عدد من المناطق، لا سيما سوريا والعراق، المحاذيتان لتركيا.

لا تقف المخاطر الجيوسياسية على الجماعات العسكرية، فقد تُشكل دول لدول أخرى خطرًا أو تهديدًا جيوسياسيًا، كتهديد إيران ذات التوجه المذهبي في سياستها الخارجية لتركيا

والنتيجة الأوضح لفراغ السلطة نشوء جماعات مسلحة متنازعة يميل بعضها للأساليب الإرهابية اللاأخلاقية، وتؤثر هذه الجماعات بأساليبها على أمن الدول القومية ومصالحها، وقد ظهر أثر هذه الجماعات “منبع المخاطر” الجيوسياسية جلّيًا ضد تركيا خلال السنوات الماضية.

ولا تقف المخاطر الجيوسياسية على الجماعات العسكرية، فقد تُشكل دول لدول أخرى خطرًا أو تهديدًا جيوسياسيًا، كتهديد إيران ذات التوجه المذهبي في سياستها الخارجية لتركيا، وتهديد النظام السوري مالك الأسلحة الكيميائية وغير الكيميائية لبعض المناطق الحدودية التركية في بدايات الثورة، وتهديد روسيا ذات التوجه “الأوراسياني” الساعي لتفكيك التحالفات الغربية في مناطق المياه الدافئة، لتركيا في بدايات الثورة السورية وحتى في وقتنا الحاليّ، رغم ظهورهما كحلفاء.

إن هذه المخاطر الجيوسياسية بحاجةٍ ماسةٍ إلى قوة عسكرية دفاعية قوية توفر توازن قوى صلب لدى الدولة الساعية لمواجهتها، وقد اعتمدت تركيا دومًا على الغرب، لا سيما حلف “الناتو”، في صد المخاطر الجيوساسية، إلا أن الغرب تخلى عنها عام 1974، عندما تدخلت عسكريًا في جزيرة قبرص من أجل إيقاف الحرب الدائرة في الجزيرة بين القوميتين اليونانية والتركية، التي كان من الممكن أن تنتقل شعلتها إلى الداخل اليوناني أو التركي، وتخلى عنها بكل وضوح بداية عام 2015، حيث بدأت هولندا وألمانيا في يناير/كانون الثاني، ودون سابق إنذار، بسحب أجهزتها الدفاعية من الحدود التركية، واتبعتهما في ذلك الولايات المتحدة في أغسطس/آب من نفس العام؛ الأمر الذي آُثار الامتعاض الشديد لدى الجانب التركي.

تذرعت الدول المذكورة التي أتت تحت سقف “الناتو”، بأن الأخطار المُهددة لأمنها القومي قد انتهت، غير أن الحقيقة تشير إلى عكس هذا الادعاء، فتهديد “داعش” كان وما زال ماثلًا، ولكن الأرجح أن الانسحاب جاء نتيجة لامتعاض أوروبي من جنوح تركيا لتوقيع اتفاقيات عسكرية مُوسعة مع روسيا والصين، بالإضافة إلى توقيعها لاتفاق نووي مع إيران، إذ يبدو أنها أرادت في تلك الفترة إظهار حسن نية لإيران على حساب تركيا.

لأنّ تركيا تواجه مشكلة في سياسة التحالفات، يُلاحظ أنها، بعد عام 2015، بدأت الاتجاه صوب تحديد المصالح المشتركة مع الدول الفاعلة، والتعاون معها نسبيًا في إطار هذه المصالح

– توازن القوى والمصالح والتهديدات

توازن القوى يعني أن دولتين في ذات المستوى تحاولان المحافظة على قوتهما مقارنة ببعضهما البعض على نحوٍ متوازن، وطبقًا لهذه المعادلة، تحاول إحدى هذه الدول امتلاك سلاح أقوى من سلاح الدولة الأخرى، فتتجه الأخيرة على إثر ذلك صوب امتلاك سلاح أقوى منه، وهكذا يستمر التنافس بين الطرفين في سبيل الحفاظ على ميزان القوى متساوٍ نوعًا ما.

لكن في حال كان هناك دولة كتركيا، إقليمية وليست عُظمى، فإنها تركن إلى عدة إستراتيجيات من أجل الحفاظ على مصالحها أمام الدول العُظمى التي تسعى للتغلغل في المناطق المجاورة لها على حساب مصالحها، ومن هذه الإستراتيجيات، إستراتيجية مسايرة الركب “الرضوخ” والتحالف وموازنة المصالح وتوازن التهديد.

ولأنّ تركيا تواجه مشكلة في سياسة التحالفات، يُلاحظ أنها، بعد عام 2015، بدأت الاتجاه صوب تحديد المصالح المشتركة مع الدول الفاعلة، والتعاون معها نسبيًا في إطار هذه المصالح؛ كسيرها الاضطراري مع روسيا وإيران، كما يبدو أنها مالت نحو إستراتيجية تحديد مصادر التهديد للدول المنافسة والركون إليها كعامل رادع قد يضر بمصالحها الحيوية، وقد نفذت هذه السياسة ضد دول الاتحاد الأوروبي من خلال ملف اللاجئين، واليوم تحاول تنفيذها من خلال التغلغل بالصناعات الدفاعية داخل دول أوروبا الشرقية.

– تنويع المصادر

بطبيعة الحال، إن سياسة التعاون الأحادي للدول سياسة خاسرة ومُكلفة، فالتحالف بين الدول مُبنيٌ على المصالح المشتركة، ولا بد أن يأتي يوم وتتغيّر هذه المصالح؛ لذلك، فإن الاعتماد على الذات وتنويع أسس وأشكال التعاون على جميع الأصعدة، الوسيلتان الأفضل لتجنب “غدر” اختلاف مسار المصالح المشتركة في يومٍ من الأيام.

تُعتبر الإرادة السياسية أحد أهم العناصر التي تساهم في إنجاح الخطط والمشاريع الإستراتيجية للدول، كما تلعب دورًا كبيرًا في توجيه قوة الدولة بالشكل الصحيح

 – العائد الوفير

وللاتجاه التركي صوب الصناعات الدفاعية جانب اقتصادي يكمن في هدف الحكومة الحاليّة من الحصول على مرتبةٍ جيدةٍ في تجارة السلاح ذات العائد الربحي الوفير، فبينما ارتفع معدل الصادرات التركية العسكرية بنسبة 145% في السنوات الأخيرة، بلغ مجموع الصادرات العسكرية التركية ملياري دولار لعام 2017 بحسب وزارة الدفاع التركية، أما الهدف المنشود لتركيا فهو تصدير ما يبلغ مجموعه 15 مليار دولار من الصناعات الدفاعية.

– الإرادة السياسية

تُعتبر الإرادة السياسية أحد أهم العناصر التي تساهم في إنجاح الخطط والمشاريع الإستراتيجية للدول، كما تلعب دورًا كبيرًا في توجيه قوة الدولة بالشكل الصحيح، والإرادة السياسة هي أن تتمتع سلطة الدولة بحس ضرورة تطوير قوتها ونفوذها على الأصعد كافة، وربما عكست الحكومة التركية إرادتها السياسية تجاه الرغبة في تطوير قدراتها العسكرية من خلال النقاط التالية:

ـ رفع معدل نفقات البحث والتطوير.

ـ تأسيس معهد الرقابة والتوجيه العسكري، لمراقبة وتوجيه النفقات بالشكل الصحيح.

ـ جذب عدد من المهندسين العسكريين الأجانب، ومنحهم امتيازات عالية.

ـ خصخصة الشركات العسكرية بهدف زيادة فعاليتها وإنتاجيتها.

ـ تأسيس اتحاد التصدير العسكري عام 2010.

في حال استمرت تركيا على هذا المنوال في الصناعات الدفاعية، فقد تحقق اكتفاءً ذاتيًا بنسبة 80%، وهذه النسبة نتيجة عدم رغبتها في امتلاك الأسلحة النووية والكيميائية والبيولوجية حسب ما صرح مسؤولوها في أكثر من مرة

وقد تمكنت تركيا من تصنيع عدد كبير من الأسلحة البحرية والجوية والبرية الخفيفة والثقيلة، وتتمحور نقاط ضعفها حاليًّا حول تصنيع الطيارات العسكرية الكبيرة، وإنشاء منظومة دفاع قوية. وفي حال استمرت تركيا على هذا المنوال في الصناعات الدفاعية، فقد تحقق اكتفاءً ذاتيًا بنسبة 80%، وهذه النسبة نتيجة عدم رغبتها في امتلاك الأسلحة النووية والكيميائية والبيولوجية حسب ما صرح مسؤولوها في أكثر من مرة، وقد تصل إلى تصدير ما مجموعه 15 مليار دولار في السنة.

في المحصلة، إن الإرادة السياسية هي العامل الأقوى في تحديد توجهات الدول القومية نحو تحقيق الاستقلال السيادي، فهي تكفل تحركًا صحيحًا وحقيقيًا من أجل التطوّر في المجالات كافة.

 

المصدر: ن بوست

اترك تعليقاً

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى