Site icon ترك ميديا

هل بدأ حزب الشعب الجمهوري يدفع ثمن ضياع سياسته

حزب الشعب الجمهوري التركي

حزب الشعب الجمهوري التركي

إحسان أقتاش

في مقال كتبته قبل أشهر، أكدت أن أي حزب معارض يطمح للوصول إلى السلطة يجب أن يكون أكثر مبدئية، وأكثر صدقًا، وأكثر اجتهادا، وأن ينتج سياسة أكثر.

واليوم، عندما ننظر من منظور واسع، نرى للأسف أن حزب الشعب الجمهوري ابتعد عن معظم هذه المعايير الأساسية.

تغريدة نشرها عضو المجلس الحزبي لحزب الشعب الجمهوري علي حيدر فِرَت قبل أشهر كانت بمثابة تأكيد داخلي على الانتقادات التي أطرحها منذ فترة طويلة.

فمنذ خسارته السلطة، انتهج الحزب سياسة تتمحور حول الأشخاص بدل إنتاج الأفكار.

هذا النهج، الذي يضع معارضة القائد في مركز السياسة بدل “سياسة الأفكار”، لم يتخطَّ إنتاج معارضة سياسية لكل الشخصيات التي ضيّقت من مجالات نفوذه مثل عدنان مندريس وأوزال وأربكان ورجب طيب أردوغان.

وهذا يوضح أن الحزب عالق في نمط سياسي تفاعلي بدل إنتاج سياسة قائمة على البرنامج.

الأسبوع الماضي، أثارت مسألة ذهاب أو عدم ذهاب ممثلي “لجنة الأخوّة والتضامن الوطني الديمقراطية” التي شُكلت برئاسة رئيس البرلمان السيد نعمان كورتولموش إلى إمرالي، نقاشات واسعة وشكّلت محور الأجندة السياسية.

موقف دولت بهتشلي الواضح أظهر موقف تحالف الشعب من العملية.

لكن موقف حزب الشعب الجمهوري كان غامضًا وأظهر ما يمكن وصفه بـ”السياسة بلا سياسة”.

في حين أن الأبحاث الحديثة في تركيا تظهر أن نحو 70% من المجتمع ينظرون بإيجابية إلى العملية الهادفة لإنهاء الإرهاب بشكل كامل.

وتصل هذه النسبة إلى أكثر من 80% لدى ناخبي حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية وحزب الشعوب الديمقراطي/اليسار الأخضر، بينما تبلغ 57% لدى ناخبي حزب الشعب الجمهوري.

هذه المعطيات تُظهر أن المجتمع يتبنى توازن الأمن-السياسة في تركيا.

اليوم وصلت تركيا إلى مرحلة تاريخية في مكافحة الإرهاب.

فالعقيدة الأمنية للدولة الممتدة لسنوات طويلة قضت على القدرة الإرهابية في المنطقة.

ولم يعد للإرهاب تأثير حاسم داخل البلاد.

إن الموقف الذي أظهره حزب الشعب الجمهوري أثناء نقاش إمرالي يمثل قطيعة جذرية عن خياراته الاستراتيجية خلال السنوات العشر الماضية.

فالحزب لسنوات طويلة أسس نوعًا من التحالف الانتخابي غير المعلن مع قاعدة حزب HDP/DEM في مواجهة تحالف الشعب، واستطاع بهذا الأسلوب الفوز بالعديد من البلديات الكبرى.

لكنه لم ينقل هذه العلاقة إلى أرضية مؤسساتية ومشروعة، بل استمر في نموذج التحالف الضمني.

ولذلك بقيت معظم المكاسب السياسية لحزب DEM خلف الستار، ولم يظهر أي شراكة علنية وبرنامجية.

التشخيص اللافت الذي قدمه حسين ليك أوغلو على قناة TVNET مهم في هذا السياق:

كلما تم دفع PKK أو حزب DEM خارج السياسة التركية باتجاه موقف تصادمي، كان حزب الشعب الجمهوري يقف إلى جانبهم؛ وكلما اتجهوا ليكونوا جزءًا من السياسة التركية كما حدث في “عملية السلام”، كان حزب الشعب الجمهوري يتخذ موقفًا مضادًا.

هذا يدل على أن الحزب لم ينجح في تطوير استراتيجية سياسية متسقة تجاه المسألة الكردية، بل بقي في إطار ظرفي، تفاعلي، ونفعي.

في ضوء هذه التطورات، ظهر انطباع بأن حزب الشعب الجمهوري تخلّى عن النهج الذي بنى عليه استراتيجيته مع الناخب الكردي طوال السنوات العشر الأخيرة.

بينما في الفترة نفسها، لم تتجاوز أصوات الأحزاب القومية الراديكالية مجتمعة 9 نقاط.

وهذا يدل على أن العملية الجارية لم تمنح الأحزاب القومية فرصة للوثوب، لكنها قد تُسبب هشاشة كبيرة داخل قاعدة حزب الشعب الجمهوري نفسه.

من جانب آخر، فإن الاستراتيجية السياسية لإكرم إمام أوغلو، المعتقل بتهمة الفساد، كانت تعتمد بدرجة كبيرة على الناخب الكردي.

واتجاه حزب الشعب الجمهوري نحو هوية قومية-وطنية قد يمهد على المدى المتوسط لانفصال جذري بين إمام أوغلو والحزب.

والوقت وحده سيكشف كيف ستتطور الأمور.

في النتيجة، المسألة ليست محصورة بحزب الشعب الجمهوري وحده:

الحزب الذي ينتج سياسة يتقدم؛ أما الحزب الذي لا ينتج سياسة فسينتهي به الأمر عاجلًا أم آجلًا إلى الاصطدام بالجدار.

الانسلاخ الجذري لحزب الشعب الجمهوري بين ليلة وضحاها عن سياسة HDP/DEM هو في الواقع علامة أولى على هذا الاصطدام.

وكلمات “ليكن هذا درسًا لي” التي قالها “تمَل” عندما قرئت عليه ورقة الإعدام تصبح اليوم مجازًا قويًا يفسر الاختناق السياسي الذي يعيشه الحزب.

إن هذه “أزمة انعدام السياسة” لدى حزب الشعب الجمهوري تقف أمامنا كمثال صارخ يجب أن يكون درسًا لجميع الأحزاب، وتذكر بأهمية إنتاج استراتيجية سياسية.

فلنرَ ما الذي سيقدّره الله.

اقرا ايضا: ماذا يخفي خطاب الخيانة العربية؟

Exit mobile version