مقالات

ايا صوفيا من جحيم الصلبان ونعيم الإسلام

تعلم اللغة العربية بالتفاعل

ايا صوفيا من جحيم الصلبان ونعيم الإسلام

ترك ميديا

الدكتور عمر الحسون الهاشمي
باحث تاريخي وسياسي

بمناسبة اعادة جامع ايا صوفيا الى مكانته الطبيعية احببت ان انقل بعض ما كتبه الكثير من الباحثين والمؤورخين عن حقب تداعت على نصارى الشرق لأبين ما بينه من سبقنا كتابة  عن احداث حصلت لهذا الجامع ولهذه المدينة التي كانت مقدسة يوما ما عند نصارى الشرق وما أن فتحها المسلون حتى واعادوا لها جزء من مكانتها لدى الارثوذكس الذين لا زالت كنائسهم تقرع اجراسها في هذه المدينة ، والتي تشهد على عدالة المسلمين مع رعاياهم من غير المسلمين .

مع ان القتل والاستعباد محرم في الشرائع المسيحية ، إلا أن المسيحية قد استباحت القتل والسلب والسبي وفقا لما ورد في الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد .

الا أن الدين الاسلامي يحرم القتل ويجرمه حتى خلال الحروب ويجعل له ضوابط واحكام وهذا ما حصل في الفتوحات الاسلامية فلم يفرض الاسلام عنوة على اهل البلاد التي خضعت لحكم المسلمين فاروبا الشرقية ونصارى العرب شاهدين على عدالة المسلمين معهم ,

بل ان الاسلام حرص على غير المسلمين وحماهم وجعل لهم ذمة خاصة بهم وبأموالهم .

فبينما في  العهد القديم موجود الآف الادلة على ذلك منها قوله : “فَالآنَ اذْهَبْ وَاضْرِبْ عَمَالِيقَ، وَحَرِّمُوا كُلَّ مَا لَهُ وَلاَ تَعْفُ عَنْهُمْ بَلِ اقْتُلْ رَجُلاً وَامْرَأَةً، طِفْلاً وَرَضِيعًا، بَقَرًا وَغَنَمًا، جَمَلاً وَحِمَارًا”. (صموئيل الأول 3:15).

وهذا ما فعله الكاثوليك وهم في طريقهم للقدس حيث دخلوا الى القسطنطينية وعاثوا فيها فسادا في عام 1204 إبان الحملة الصليبية الرابعة ، دخلت الجيوش الصليبية المدينة وأحرقت مبانيها العامة والخاصة وانتهكت حرمة كنائسها.

فعلى الرغم من أن الهدف الرئيسي لهذه الحملة كان في الأساس احتلال القدس عن طريق مصر ، احتل الكاثوليك مدينة القسطنطينية الأرثوذكسية الشرقية عاصمة الإمبراطورية البيزنطية للاستيلاء على أملاك بيزنطة للاستعانة بها على الحملة وتوحيد المسيحيين تحت لواء هذه الحملة باسم الكنيسة .

وقد ذكر الكاتب الانجليزي والمؤرخ ستيفين رونسيمان فيه كتابه ” (تاريخ الحملات الصليبية ، كمبردج 1966 (1954) ، الجزء الثالث ، واصفا هذا الدمار والقتل والاهانة التي تعرضت لها المدينة :

“طوال تسعة قرون ، كانت المدينة العظيمة عاصمة الحضارة المسيحية ، ولقد امتلأت بالأعمال الفنية التي بقيت من اليونان القديمة وبتحف فنانيها المهرة. فاستولى الفينيسيون على الكنوز وحملوها لتزيين مدينتهم. ولكن تملكت الرغبة في التدمير من الفرنسيين والفلمنج. فاندفعوا في جمهرة غوغائية إلى الشوارع، وأخذوا ينتزعون كل شيء لامع ويدمرون كل ما لم يستطيعوا حمله، فلم يتوقفوا إلا للقتل أو للاغتصاب أو لفتح قباء الخمور… ولم تسلم الأديرة ولا الكنائس ولا المكتبات العامة من ذلك. بل في آيا صوفيا نفسها، أمكن رؤية الجنود السكارى وهم يمزقون الستائر الحريرية ويكسرون الأيقونات الفضية العظيمة، بينما وطئت الكتب المقدسة والأيقونات تحت الأقدام. وفيما هم يشربون ويمرحون من أوعية المذبح إذ ببغي وقفت على عرش البطريرك وبدأت تغني أغنية فرنسية بذيئة. واغتصبت الراهبات في أديرتهن . وأتيت القصور والأكواخ على حد سواء ودمرت. واستلقت النساء والأطفال في الشوارع ليلفظوا أنفاسهم الأخيرة. وطوال ثلاثة أيام، استمرت المناظر المروعة حتى أضحت المدينة الضخمة الجميلة خرابا،  وعند استعادة النظام  تعرض المواطنون للتعذيب للكشف عن المتاع الذين احتالوا لإخفائه.

نجد أن الاسلام على عكس المسيحية كان يفرض على جنوده سلامة المدنيين رجالا كانوا او نساء او اطفالا او رهبانا كما انه كانت في وصايا النبي محمد صلى الله عليه وسلم لجيوش المسلمين في غزوة مؤته :- «أوصيكم بتقوى الله وبمن معكم من المسلمين خيراً، إغزوا باسم الله تقاتلون في سبيل الله من كفر بالله ، لا تغدروا ولا تغلوا ولا تقتلوا وليداً ولا امرأة ولا كبيراً فانياً ولا منعزلاً بصومعة ولا تقربوا نخلاً ولا تقطعوا شجراً ولا تهدموا بناءً.

بل كتب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأسقف بني الحارث بن كعب وأساقفة نجران وكهنتهم ومن تبعهم ورهبانهم : «أَنَّ لَهُمْ عَلَى مَا تَحْتَ أَيْدِيهِمْ مِنْ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ مِنْ بِيَعِهِمْ وَصَلَوَاتِهِمْ وَرَهْبَانِيَّتِهِمْ، وَجِوَارَاللَّهِ وَرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، ألَّا يُغَيَّرَ أُسْقُفٌّ عَنْ أَسْقُفِّيَّتِهِ ، وَلَا رَاهِبٌ عَنْ رَهْبَانِيَّتِهِ ، وَلَا كَاهِنٌ عَنْ كَهَانَتِهِ، وَلَا يُغَيَّرُ حَقٌّ مِنْ حُقُوقِهِمْ ، وَلَا سُلْطَانِهِمْ، وَلَا شَيْءٌ مِمَّا كَانُوا عَلَيْهِ ؛ مَا نَصَحُوا وَأَصْلَحُوا فِيمَا عَلَيْهِمْ ، غَيْرَ مُثْقَلِينَ بِظُلْمٍ وَلَا ظَالِمِينَ » أخرجه أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب “الأموال” (ص: 244، ط. دارالفكر) .

فالجدير بالذكر أن السلطان محمد الفاتح لما دخل القسطنطينية في مايو 1453 م خصص فرقا عسكرية لحراسة بعض مواقع المدينة وأهمها الكنائس حتى لا يتعرض لها أي من الجنود بضرر. وتوجه إلى كاتدرائية آيا صوفيا حيث تجمع خلق كثير من الناس فأمنهم على حياتهم وممتلكاتهم وحريتهم.

ففي كل الحروب يحدث القتل بين الاطراف المتصارعة ويسقط قتلى من كلى الطرفين وهذا ما حدث عند الفتح فالمؤرِّخ فيلدمان :- أنَّ مياه الدردنيل كانت تموج بأجساد النصارى والأتراك معًا ، فهذه نتيجةٌ طبيعيَّةٌ للحروب ، وضحايا العثمانيِّين في الحصار يتجاوز العشرين ألفًا بلا جدال .

لكن بعد شعور المسيحين بعدالة محمد الفاتح واكرامه للنصارى الذين بقوا في المدينة وحمايته لهم ذكرت العديد من المصادر أنَّ العائلات اليونانيَّة التي غادرت المدينة عادت  للسكن في القسطنطينية بعدما سمعت عن عدالة الفاتح مع العائلات التي بقت فيها عن حسن المعاملة التي تلقوها من العثمانيين بعد الفتح .

لم تكن هذه العوائل لتفكر في العودة الى القسطنطينية لوما انها شعرت بالامان الذي وفره لهم الفاتح بل أعلن الفاتح ما هو أكثر من ذلك ؛ حيث دعا المهاجرين القدماء من اليونانيِّين الذين تركوا المدينة قبل أحداث الحصار لسنوات أن يعودوا إن أرادوا للمدينة ، ويُشاركوا في إعمارها ، فعادوا بأعدادٍ غفيرة فهل كانوا سيفعلون ذلك وهم يتوقَّعون أن يعيشوا تحت حكم جائراو همجيِّين عابثين يسفكون الدماء بهذه الصورة ، كما فعل بهم الكاثوليك عندما دخلوا مدينتهم .

يشهد كثيرٌ من المؤرِّخين الغربيِّين على سماحة الفاتح تجاه شعب القسطنطينيَّة عند فتحها، فتقول المؤرِّخة الأميركيَّة ماري باتريك  «والواقع أنَّ السلطان محمدًا الفاتح قد أظهر تسامحًا عظيمًا مع المسيحيِّين».

ويُؤكِّد المؤرِّخ الألماني هانز كيسلينج على أنَّ نصارى القسطنطينيَّة كانوا يُمارسون حياتهم بشكلٍ طبيعيٍّ بعد الفتح ، وكانوا يُمارسون عبادتهم دون مساس، بل كانوا يُمارسون لغتهم مع اختلافها عن لغة الحكَّام.

ذكر المؤرِّخ الإنجليزي بول كولز: «بسقوط القسطنطينيَّة أصبح قَدَر المسيحيَّة اليونانيَّة الأرثوذكسيَّة بأيدي العثمانيِّين، وكان تصرُّف محمد الثاني بعد الفتح مقياسًا لمدى النقلة الحضاريَّة التي حقَّقها العثمانيُّون مبتعدين عن تراثهم البدوي».

حتى المؤرخين المسيحيين المتشديدن كان لابد لكلمة الحق ان تخرج من قلوبهم وتدونها اقلامهم لدرجة ان التناقض بان واضحا في كتاباتهم فبينمت هم يحاولون تشويه سيرة الفاتح رحمه الله نجدهم يتناقضون مع أنفسهم ويمدحون سماحته .

فالمؤرِّخ الإنجليزي فيليب مانسيل  رغم محاولته تشويه سيرة الفاتح ، يذكر في موضعٍ آخر تسامحه مع النصارى، وإقراره للحرِّيَّة الدينيَّة .

أمَّا كراولي الذي أسرف في وصف استباحة المدينة نجده في موضعٍ آخر يقول: «لم تكن مدينة القسطنطينيَّة بالنسبة إلى الفاتح مدينةً للاستباحة؛ إنَّما كان يُريدها مركزًا لدولته، ولذلك كان حريصًا على سلامتها»!.

إنَّ تسامح الفاتح المفرط في تعامله مع شعب القسطنطينيَّة قد جعلت البعض -كما يقول المؤرِّخ الألماني كيسلينج- يعتقد أنَّ الفاتح مسيحيٌّ من الداخل ويُظهر الإسلام! لأنَّه ليس من المفهوم في مثل هذه الحقبة التاريخيَّة أن يكون تعامل القادة مع الشعوب المنهزمة بهذه الصورة وهذا من أعجب ما قرأتُ عن هذا الفاتح الإسلامي العظيم .

هذه سماحة الفاتح الحقيقيَّة عند فتح القسطنطينيَّة  التي يجب مقارنتها مع ما فعله بما فعله الفاتحون الأخرون لنُدرك مدى نبل أخلاق المسلمين في حروبهم ، ويكفي أن نُراجع ما وصف به المؤرِّخ الإنجليزي استيڤين رنسيمان  استباحة اللاتين لمدينة القسطنطينيَّة عام 1204م حيث ذكر الكثير من المآسي غير المتخيَّلة، وختم بأن قال: «إنَّ هذه الاستباحة لا يُوازيها شيءٌ في التاريخ كلِّه»،  وما قاله رنسيمان في حقِّ اللاتين في القسطنطينيَّة يُقال كذلك في حقِّ الحملة الصليبيَّة على القدس ، ويُقال -أيضًا- في حقِّ ما فعله الإسبان في الأندلس، أو في أميركا اللاتينيَّة، وما فعله الأوروبِّيُّون مع الهنود الحمر في أميركا الشماليَّة، أو ما فعله الكاثوليك في البروتستانت في باريس عام 1572م، أو ما فعله الفرنسيُّون في الجزائر ، أو ما فعله الصينيُّون في التركستان ، أو ما فعله اليابانيُّون في الصين ، والقائمة لا نهاية لها! وبضدِّها تَتَبَيَّن الأشياء!.

 

المصدر: ترك ميديا

اترك تعليقاً

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى