مقالات

تركيا وتكثيف الجهود الدبلوماسية

قام وزير الخارجية التركي مولود تشاوش أوغلو، الاثنين، بزيارة العاصمة اليونانية أثينا، بعد زيارته لمدينة غومولجينه (كوموتيني) بتراقيا الغربية في شمال شرق اليونان، حيث التقى ممثلي الأقلية التركية المسلمة. واجتمع تشاوش أوغلو خلال زيارته لأثينا رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتشوتاكيس ونظيره اليوناني نيكوس ديندياس.

الزيارة التي بدأت بمعانقة تشاوش أوغلو وديندياس، خيمت عليها أجواء إيجابية، واختتمت بتوصل الطرفين إلى تفاهمات حول العديد من القضايا، مثل الاعتراف المتبادل باللقاحات المضادة لفيروس كورونا من أجل تنشيط القطاع السياحي، وهو ما تحتاج إليه أثينا بإلحاح لجلب السياح الأتراك إلى الجزر القريبة من السواحل التركية خلال أشهر الصيف كما كان في السنوات الماضية. ومن المؤكد أن هذه الزيارة خطوة، ولو صغيرة، باتجاه تخفيف التوتر في البحر الأبيض المتوسط، وتجاوز الخلافات العالقة بين البلدين. وقد تعقبها خطوات أخرى بناء على نتائج اللقاء المرتقب بين رئيس الجمهورية التركي رجب طيب ردوغان ورئيس الوزراء اليوناني ميتشوتاكيس على هامش قمة الناتو منتصف حزيران/ يونيو الجاري.

أنقرة تتبنى منذ فترة سياسة تكثيف الجهود الدبلوماسية والحوار لتحسين علاقاتها مع عدد من الدول، مثل مصر والسعودية واليونان. وبدأت ثمار هذه السياسة تظهر في علاقات تركيا مع بعض تلك الدول، فيما لم تحقق حتى اللحظة أي اختراق وتقدم في علاقاتها مع دول أخرى. ويعود هذا التباين بين النتائج إلى اختلاف تعاطي الدول المعنية مع مساعي أنقرة لتحسين علاقاتها معها، لأن تركيا تبدي لكل تلك الدول رغبة صادقة في تجاوز الخلافات عبر الحوار والتفاوض والطرق الدبلوماسية في إطار المصالح المشتركة.

 

أنقرة تتبنى منذ فترة سياسة تكثيف الجهود الدبلوماسية والحوار لتحسين علاقاتها مع عدد من الدول، مثل مصر والسعودية واليونان. وبدأت ثمار هذه السياسة تظهر في علاقات تركيا مع بعض تلك الدول، فيما لم تحقق حتى اللحظة أي اختراق وتقدم في علاقاتها مع دول أخرى

أقرأ أيضا :تركيا في ٢٠٢١: عام الدبلوماسية المتعدّدة الأطراف

هذه السياسة التي تعكس متطلبات المرحلة لا تعني على الإطلاق أن أنقرة تؤمن بمبدأ “الحياة مفاوضات”، بل هي تواصل مساعيها لتعزيز قدراتها في مختلف المجالات، على رأسها العسكري، للدفاع عن حقوقها، بالتوازي مع الجهود الدبلوماسية المكثفة لحل المشاكل. ولعل أبرز دليل على ذلك، هو ذاك القرار الذي اتخذته لإنشاء قاعدة عسكرية للطائرات المسيرة في الشطر التركي لجزيرة قبرص. وستكون تلك القاعدة المطلة على شرق المتوسط دائمة، لتتمركز فيها طائرات “بيرقدار” و”عنقاء” و”آكينجي” المسيرة باستمرار. وقد تنضم إليها مقاتلات أف-16 في المستقبل القريب.

الدبلوماسية التركية لا تكتفي بجهود تحسين علاقات أنقرة مع بعض الدول، بل تنشط بكافة الاتجاهات، بما فيها دول أوروبا والقوقاز والبلقان، بالإضافة إلى جمهوريات آسيا الوسطى. ويتوقع أن تستمر جهودها المكثفة خلال الشهر الجاري الذي سيشهد لقاء مهما بين الرئيسين التركي والأمريكي في بروكسل، ومن المؤكد أن نتائج ذاك اللقاء سيلقي بظلاله على ملفات عديدة. وبعد اللقاء، قد تثمر جهود تركيا لتحسين علاقاتها مع بعض الدول التي لم تقابل حتى الآن تلك الجهود بأي رد إيجابي، أو تبقى عقيمة كما هي الآن.

تركيا بحاجة إلى استخدام كافة السبل السياسية والاقتصادية والدبلوماسية والعسكرية، والتوازن بينها، للدفاع عن أمنها واستقرارها وحقوقها ومصالحها، كما تفعل الآن. ولا بد من أن تكون لديها خطط بديلة لتلجأ إليها في حال دخلت جهودها في طريق مسدود؛ لأن الرهان على خطة واحدة أو مجرد الحوار والدبلوماسية يضعف يدها في المفاوضات.

التوازن بين متطلبات المرحلة وتطلعات الشعوب؛ لأن تركيا وقفت إلى جانب الشعوب الثائرة بعد اشتعال شرارة الربيع العربي، وتبنت مواقف مشرفة نفتخر بها، ودفعت ثمن تلك المواقف غاليا. ومن الضروري أن لا تضحي بها الآن من أجل الواقعية السياسية

الخلافات العالقة بين تركيا وبعض الدول، مثل اليونان، لا يمكن تجاوزها في وقت قصير، مهما كانت الجهود مكثفة والنوايا صادقة؛ لأنها خلافات معقدة ومتجذرة، إلا أن تجميد ما لا يمكن حله حاليا، لمواصلة الجهود من أجل التوصل إلى حلول معقولة لما يمكن حله، سيكون لصالح الطرفين.

هناك أمر آخر يجب أن يتنبه إليه المسؤولون الأتراك نظرا لأهميته البالغة، وأن تراعيه أنقرة خلال جهودها لتحسين علاقاتها مع دول المنطقة، وهو التوازن بين متطلبات المرحلة وتطلعات الشعوب؛ لأن تركيا وقفت إلى جانب الشعوب الثائرة بعد اشتعال شرارة الربيع العربي، وتبنت مواقف مشرفة نفتخر بها، ودفعت ثمن تلك المواقف غاليا. ومن الضروري أن لا تضحي بها الآن من أجل الواقعية السياسية، ونعتقد أنها لن تفعل ذلك ما بقي أردوغان على رأس البلاد؛ لأن الأنظمة قد تزول أو تتغير، وأما الشعوب فهي الأصل، وهي الباقية، ولا بد من أن يكون تحالف أنقرة مع تلك الشعوب التي وقفت إلى جانب مطالبتها بالحرية والكرامة.

إسماعيل ياشا _ ترك ميديا

المصدر : عربي 21

اترك تعليقاً

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
كيف يمكنني مساعدتك؟