مقالات

2020 عام وباءات أم عام انتصارات

تعلم اللغة العربية بالتفاعل

عام وباءات أم عام انتصارات !!!

خاص ترك ميديا

الكاتب: عبد الفتاح ابو طاحون

لعله من أكثر الأعوام التي استوقفت البشرية برمتها ، على جميع  مستوياتها  دولاً ومؤسساتٍ  وجماعاتٍ وأفراد .. أصاب الناس ما لم يعتادوا عليه ، اجتياح وبائي أشبه بتجاوزات  الخيال العلمي  وبقصص وباءات العصور الوسطى . بداية  ظهوره كان في أكثر البلاد  منعةً  وعلواً ، تلك المتسلحة بأسوار العلم والنهضة والتكنولوجيا ، والتي تحظى  بحماية تحت سيادة نظام شمولي من أعتى الأنظمة  السياسية على مر التاريخ . تحليلات العوام بقيت على مستوى الخفاش وبين من طبخه والتهمه ، حتى نهاية العام زجت البشرية جمعاء إلى خلف الكمامات ..

شكوك  تملكت  الأجواء  لتقاعس الحكومات  وضحالة أداءاتها وإمكانياتها . ولم تقف الشكوك عند ماهية الوباء نفسه بل تعدتها لاحقاً لتصل إلى اللقاح وسبل العلاج  والهلع الذي تحمله والذي بات يحمل طابع المؤامرة والاستعباد . تعود الناس على الشكوك وعلى الكمامات وعلى قلة الدخل وعلى تقاعس الحكومات وخمولها وبلادتها ..

على مستوى الدول ـ ثمة دول وكأنها فهمت الآلية  فراحت توظف الحدث لصالحها سياسياً ودبلوماسياً مثل تركيا التي فتحت آفاق التعاون  حتى مع دول  علاقاتها بها مشدودة ، سيما في داخل الفضاء الأوروبي .

ودول أخرى سرعان ما انكشفت سوءتها أمام الوباء  مثل ايران وما لبثت أن انهارت عملتها تباعاً جارّةً معها عملات لدول تدور في مدارها مثل عملتي النظام السوري  والنظام اللبناني ..

في ظلال  سحابات العتمة  التي ساقها  الوباء لم تتوقف المعارك العسكرية المفتوحة  ولم تتأثر في البؤر الساخنة في الاقليم . بل بالعكس  في أوج تفرد أزمة الوباء على الساحة السياسية  والإقتصادية  حدثت معركة إدلب مابين فبراير ومارس  ونتجت  عن المعركة خسائر فادحة للنظام السوري  والمليشيات المتحالفة  معه  ولأول مرة  منذ زمن بعيد مواجهة مباشرة  بين الترك والفرس .  مواجهة  وإن غابت بالتأجيل لكنها مازالت ولطالما كانت  بأسبابها حاضرة.

لم تؤثر ذروة انتشار الفيروس  وايقاعات الوباء الصاخبة على بقية الجبهات والنقاط الساخنة في المنطقة  فكانت معركة طرابلس  في ليبيا  في  مايو من العشرين عشرين  وانتصر فيها المتدخل التركي  الداعم لحكومة الوفاق ، وظهر تباعاً التفوق العسكري التركي أما التسليح الروسي المتقادم ،  وتأكد هذه المرة هذا التفوق جلياً فلم تعد المنظومات الروسية قادرة على التصدي وباتت فرائس سهلة للطيران التركي  عاجزة ومتراكمة .  بل وامتد صيت الطيران الآلي إلى الاحتدام التالي في شرق المتوسط  في أغسطس الماضي الذي نتج عن اتفاقية الحدود البحرية بين الجانبين التركي والليبي . إذ  حضرت  القوة البحرية التركية  في المياه التي تنقب فيها عن الغاز ،  وفي نهاية السجال مع الإعتراضات الفرنسية المصطفة والمتضامنة مع الموقف اليوناني ـ حضرت القوة البحرية التركية ولسان حالها يقول : ” هل من منازل ؟!!…”

لم يجرؤ أحد على الاقتراب من سفينة البحث التركية رغم الصخب والتهويل  الفرنسي واليوناني  والحشد المهول في المواقف وفي القوة العسكرية . انصاع الأوروبيون لنداء الحوار والمفاوضات وجلسوا إلى طاولتها..

كان العام  قد ابتدأ بمقتل سيئ  الذكر  سليماني  وطوال العام  كالعادة  ترقب البعض  احتدام بين الغرب  وايران ، هذا البعض الذي يحمل لوثة في حساباته  تجعله يصدق العداء الوهمي القائم بين ايران  والغرب ، مهما تغيرت المعطيات من أمامه  تبقى اللوثة سيدة الموقف والمحطة الفكرية الأهم  في وجدانه .

قُتل قاسم  سليماني في العراق وهو محسوب على محور المقاومة والممانعة .. ويتزعم ما يسمى بفيلق القدس . السؤال الجدير ذكره : ماذا كان يفعل سليماني  في العراق ؟؟!! مع أن “اسرائيل”  والقدس في الاتجاه المعاكس تماماً !!!.

يا ليت سليماني  قتل في كاراباخ ، وان كانت في الاتجاه المغاير لكنها في الجغرافيا الصحيحة والملحّة . بمحض الصدفة أو بغير محضها الأذريون غالبيتهم شيعة  بل هم الدولة الشيعية الثانية بعد ايران ، أما كان من الأولى لك يا هذا أن تدق صدرك لهم ولمظلوميتهم ؟!!!

ظهر التخلي  الروسي عن الأرمن جلياً فقد تركوهم يواجهون مصيرهم من بعيد . تخلوا عنهم كما تخلوا عن النظام السوري في معركة إدلب . وكما تخلوا عن حفتر ومليشياته في معركة طرابلس . لم يكن التخلي الروسي عن أرمينيا وليد  ساعته بل كانت قد سبقته حرب تسليح شرسة ، وضعت تركيا كل ما أوتيت من نتاج صناعتها العسكرية بين يدي  الأذريين ، لعقد من الزمن تفردت تركيا بدعم  الجبهة الأذرية  وبتدريب ضباطها وخبرائها ، في مقابل برود وجفاء  روسي . حاول الأرمن اللجوء إلى الغرب  لتعويض التراجع في سباق التسلح  ولتعديل الخلل في ميزان القوى الذي  بات حرجاً جداً . لجوؤهم إلى الغرب بات أشبه بفخ روسي ، بدى لاحقاً وكأن الروس يعاقبون الأرمن  على جنوحهم للغرب واستقطاب هيمنتهم إلى الخاصرة الضيقة  للفضاء الجيوسياسي  الروسي .

حاول الأرمن استحضار الخطاب الديني على غرار اللطميات .  مارسوه على مضض في محاولة  للتأثير على اليمين الروسي . المحاولة باءت بالفشل  سيما الاعلام  الأكراني  والجورجي الدولتين المسيحيتين  الأقرب إلى  أرمينيا كان منحازاً للجانب الأذري ، كان اعلام الدولتين وكأنه رديف للإعلام الأذري .

خسرت أرمينيا المعركة  والإقليم  وعدد ضخم من القتلى والجرحى المعاقين ، وكسبت روسيا اتفاقات جديدة واعدة مع تركيا لقاء تسليمها أرمينيا لأردوغان على طبق من فضة ، سيكشف قادم الأيام عن هذه الصفقات كما كشف عن صفقة ترانزيت الغاز الروسي عبر الجغرافيا التركية لقاء تخلي الروس عن بشار وحفتر في معركتي إدلب وطرابلس . كسب الأذبيون المعركة والإقليم  وخسرت إيران بتراجع أرمينيا فالدور القادم أن يتطلع الأذريون  بعد تحرير كاراباخ إلى تحرير أقليمهم في داخل ايران .

كسب السلاح التركي المعركة بإمتياز . سلاح صنع في العام عشرين عشرين واجه سلاح سوفيتي انزل إلى الخدمة في أواخر السبعينات ، وبين هذا وذاك اقتطف السلاح الاسرائيلي سمعة السلاح التركي . فكانت اسرائيل قد زجت بسلاحها  إلى الجبهة الأذرية منذ سنوات ، فعادة هؤلاء القوم قراءة  الصفقات الرابحة والمضمونة ـ تحسسوها واغتنموها .  مع أن مشاركة السلاح التركي أكبر بكثير من مشاركة نظيره الاسرائيلي  لكن السمعة المكتسبة سيتقاسمها معه بالتساوي .

المزاج العكر الذي  فرضته  أجواء الوباء وأبعادها لم تؤثر على مزاجات الحالمين بالتطبيع ، والذين باتوا يرون فيه فرصتهم الأخيرة للنجا ة .  التطبيع اليوم  بات أشبه بتشكيل حلف  بين أنظمة متشابهة جداً في كثير ، ويجمعها مشتركات  عدة رغم  اختلافها ظاهرياً في الدين والثقافة والعرق .

ما بين جائحة كورونا ووباء التطبيع المستشري كانت انتصارات ساحقة  وبروز آفاق سياسية واعدة باتت تحقق الندية .

وداعاً  عشرين عشرين .. عام الوباءات والإنتصارات .

 

المصدر: ترك ميديا

اترك تعليقاً

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى