مقالات

الجذور التاريخية للحروب الصليبية واستمرارها في التاريخ الراهن

قراءة في تنامي العدوان الغربي على العالم الإسلامي

تعلم اللغة العربية بالتفاعل

الجذور التاريخية للحروب الصليبية واستمرارها في التاريخ الراهن :
ترك ميديا

بقلم الدكتور: علي محمد الصلابي

إن الحروب الصليبية والصراع بين أهل الإيمان وأهل الكفر من النصارى الغربيين وغيرهم، الذي عبدوا عيسى عليه السلام، واتخذوه إلهاً من دون الله، وقالوا: هو الله، وابن الله، وثالث ثلاثة لم تبدأ في نهاية القرن الخامس الهجري ولم تنته في القرن السابع الهجري، بل هذه الحملات هي سلسلة في هذا الصراع الطويل، الذي بدأ بظهور الإسلام ، واستمر بصيغ دورية متعاقبة كادت أن تغطي المدى الزمني بين ظهور الإسلام والعصر الحديث، ويمكن تقسيمه على ستة من المحاور التي استمر عليها هذا الصراع، ولم يكن أوار الصراع على كل واحد من هذه المحاور يفتر قليلاً؛ حتى يشبَّ ثانية في محورٍ جديد لا يقل عنه ضراوة وعنفاً واستنزافاً للطاقات الإسلامية في مساحات واسعة من الأرض، وهذه المحاور هي:
أولاً: البيزنطيون:
ترجع بدايات التحرك البيزنطي المضاد للإسلام إلى عصر الرسالة نفسه، فمنذ العام الخامس للهجرة وعبر معارك دومة الجندل، وذات السلاسل، ومؤتة، وتبوك، وانتهاء بحملة أسامة بن زيد ـ رضي الله عن الصحابة أجمعين ـ كان المعسكر البيزنطي، يتحسَّس الخطر الإسلامي الجديد القادم من الجنوب، لاسيما بعدما تمكنت الدولة الناشئة من فك ارتباط العديد من القبائل العربية شمالي الجزيرة من سادتهم القدماء الروم، وسواء كان البيزنطيون يتحركون ضد القوات الإسلامية بفعلهم ابتداء، أو كردِّ فعل لتحرك إسلامي، فإن المحصلة الأخيرة هي أن هذا المعسكر بدأ يدرك أكثر فأكثر حجم التحدي الجديد، ويعد العدة لوقفه. صحيحٌ: أن هذه العدة لم تكن ـ أحياناً ـ بالحجم المطلوب، ربما بسبب عدم دقة المعلومات التي كانت القيادة البيزنطية تبني عليها مواقفها، إلا أن النتيجة هي أن النار اشتعلت عبر هذا المحور، وازدادت اشتعالاً بُـعَيْـدَ وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم وتدفق القوات الإسلامية في البلاد التي يسيطر عليها البيزنطيون .
وبعد إخراج البيزنطيين من مملكتهم في اسية، وأجزاء من إفريقية على يدي القيادة الراشدة، التي شهدت المراحل التالية من العصر الراشدي محاولات وردود أفعال عديدة وهجمات مضادة نفذها هذا المعسكر في البَرِّ، والبحر، ولكنها الت في معظمها إلى الخسران، ثم ما لبث البيزنطيون أن انحسروا عبر العقود التالية، وبفضل الملاحقة الدؤوبة التي قام بها الأمويُّون ـ ابتداء من معاوية ـ رضي الله عنه ـ مؤسس الدولة الأموية، وعهد عبد الملك وبنيه خصوصاً الوليد، وسليمان ـ وقد تمَّ شرح ذلك وتفصيله في كتابي (الدولة الأموية عوامل الازدهار ـ وتداعيات الانهيار) واستمرت الملاحقة النشطة للبيزنطيين بعد الأمويين في الشام، ومصر، وشمالي إفريقية، وانحسروا بالكلية عن الشمال الإفريقي، ومساحات واسعة من البحر المتوسط، وانزووا هناك في شبه جزيرة الأناضول، فضلاً عن ممتلكاتهم في أوروبا نفسها.
وهكذا، وبمرور الوقت أصبح خطر هجماتهم المضادة محدوداً لأنها تركزت عند خط الثغور في الأناضول، والجزيرة الفراتية دون أن تتعداه إلى العمق إلا نادراً بسبب يقظة القيادات الإسلامية، وتحصينها خط الحدود من جهة، وقيامها بهجمات مستمرة ضد الدولة البيزنطية، وتوغلها في العمق باتجاه القسطنطينية نفسها من جهة أخرى، الأمر الذي لم يدع للإمبراطور البيزنطي ـ في معظم الأحيان ـ أن يأخذ زمام المبادرة، وأن يوسِّع نطاق هجومه المضاد اللهم إلا عند مطلع القرن الرابع الهجري حيث كانت الدولة العباسية قد ضعفت، إلا أنه حل محلها هناك ذلك الكيان الإقليمي (الحمداني) الذي تشكل في حلب قريباً من خط الثغور، ووقف بالمرصاد لهذه المحاولة، واستطاع أن يكسر حدَّتها، وأن يمتصَّ الكثير من اندافعها، رغم أنها وصلت في إحدى اندفاعاتها إلى حلب نفسها وتوغلت في الجزيرة الفراتية وشمالي الشام، ثم كانت وقعة ملاذكرد التي حقق فيها السلاجقة عام (463 هـ) في قلب الأناضول نجاحاً ساحقاً ضد العمود الفقري للقوات البيزنطية بمثابة نهاية لتحديات الدولة البيزنطية وهجومها المضاد، واستمر على تلك الحال حتى سقوطها بعد عدة قرون على يد العثمانيين . وقد فصلت ذلك في كتابي: (الدولة العثمانية عوامل النهوض وأسباب السقوط) .
ثانياً: الإسبان:
شهدت الساحة الأندلسية منذ بدايات مبكرة هجمات مضادة متواصلة، قادمة من الشمال حيث يتحصَّن الإسبان في المناطق الأشد وعورة، ولقد تمخضت هذه الهجمات عن صراع مرير قدرت القيادة الأموية عبره أن تجابه الهجوم المضاد لمدى ما يقرب من القرون الثلاثة وأن تحتويه وترغمه على الانحسار في الجيوب الشمالية لشبه الجزيرة الإيبرية، ثم جاءت دفقة الحيوية الإسلامية الجديدة مرتين: إحداهما على يد المرابطين القادمين من المغرب ، الذين سجلوا لنا في صفحات المجد انتصارهم العظيم في معركة الزلاَّقة على النصارى الإسبان في عام (479 هـ) ، والأخرى على أيدي الموحدين الذين جاؤوا من بعدهم الذين حققوا انتصاراً ساحقاً على النصارى في معركة الأرَك عام (591 هـ) التي سُجلت على صفحات الزمان بماء الذهب الصافي .
وبذلك تمّكن الإسلام في الأندلس من الصمود بمواجهة التحدي ومقارعة الهجوم الإسباني المضاد بسلاح شبه متكافأى لمدى يقرب من القرون الأربعة . لكن المسلمين هناك ما لبثوا أخيراً أن استنزفوا، وزادهم ضعفاً انقسامهم على أنفسهم وصراعهم الدموي الطاحن فيما بينهم الأمر الذي حوَّل الميزان لصالح القيادة النصرانية التي تمكَّنت في نهاية المطاف من إسقاط آخر كيانٍ إسلامي هناك مملكة غرناطة عام (897 هـ) لكي ما تلبث تحت زعامة فرديناند وإيزابيلا أن تنفذ أبشع مجزرة رهيبة في التاريخ البشري، اشتركت فيها السلطة، والكنيسة، ومحاكم التحقيق، وقدرت بالتالي، وبأساليبها التي تتجاوز البداهات والقيم الإنسانية ـ فضلاً عن الدينية ـ من تدمير الوجود الإسلامي في الأندلس، وإزالته من الخارطة الإسبانية، ودمج الجماعات الإسلامية قسراً بالمجتمع النصراني ديناً، وثقافة، وسلوكاً .
ومما يستحق أن يفهم: أن الصراع المذهبي والحضاري ذا الطابع المصيري الذي حكم علاقات آسية بأوروبة عبر التاريخ هو الذي جعل أوروبة تتشنج إزاء امتداد الإسلام إلى أراضيها غرباً في الأندلس وجنوبي فرنسا، وشرقاً في جهاتها الجنوبية الشرقية، وتبذل جهوداً مريرة ومحاولات متواصلة من أجل إزاحة الوجود الإسلامي من هناك بأي أسلوب، وبأية صيغة حتى لو تنافت مع أبسط قواعد التعامل الشريف مع الجماعات والأديان من أجل التفرّد بحكم القارة، ومجابهة التحدي الإسلامي فيما وراء الحدود .
ثالثاً: الحركة الصليبية:
إنَّ الحركة الصليبية هي رد الفعل المسيحي تجاه الإسلام، تمتدُّ جذورها إلى بداية ظهوره، وخروج المسلمين من جزيرتهم العربية، واصطدامهم بالدولة البيزنطية، وأن هذه الحركة تطورت كالكائن الحي على مدى القرون ما تكاد تخرج من طور إلا لتدخل في طور جديد، وما كانت الفترة الزمنية الممتدة بين سنتي (488 ـ 690 هـ/ 1095 ـ 1291م) إلا أحد أطوارها فقط، وأن بروز هذا الطور بهذا الشكل الذي كاد أن يطغى على باقي أطوارها يعود إلى عوامل عديدة معقدة ومتشابكة يستطيع الباحث أن يتلمسها في الدوافع والأسباب التي أدت إلى إطلاق الموجة الصليبية العاتية من عقالها في هذه الفترة ، وسيأتي بيان هذه العوامل والأسباب بإذن الله تعالى.
وقد اصطلح المؤرخون على إطلاق الحروب الصليبية على الحركة الاستعمارية الصليبية التي وُلدت في غرب أوروبة، واتخذت شكل هجوم مسلح على بلاد المسلمين في الشام ، والعراق ، والأناضول ، ومصر ، وتونس لاستئصال شأفة الإسلام والمسلمين والقضاء عليهم واسترجاع بيت المقدس، وقبر المسيح، وجذور هذه الحركة نابع من الأوضاع الدينية، والاجتماعية، والفكرية، والاقتصادية، والسياسية التي سرت في غرب أوروبة في القرن الحادي عشر، واتَّخذت من الدين وقوداً لتحقيق أهدافها .
لقد كانت تكاليف حقبة الحروب الصليبية باهظة بمعنى الكلمة، واستنزفت من الطرفين الكثير من الإمكانات والقدرات، ولعبت دوراً خطيراً في عرقلة مسيرة الحضارة الإسلامية ومع ذلك فإنَّ التحديات التي صنعتها الهجمات الصليبية، والقيم التي صاغها المسلمون وهم يتصدون للغزاة تمثل لا ريب رصيداً كبيراً يضاف إلى ما يتضمنه تاريخنا الطويل من تجارب وخبرات ، لقد كانت الحروب الصليبية حلقة من سلسلة طويلة في صراع الإسلام، والباطل، سبقتها حلقات على الطريق الطويل، وأعقبتها حلقات … فالغزو الصليبي ليس أمراً جديداً، ولا ظاهرة غريبة، أو استثنائية، وإنما هو القاعدة وغيره الاستثناء ، ولذلك نقول: إن التحديد الزمني للحركة الصليبية بين سنتي (488 ـ 690 هـ) هو تحديد خاطئ كما يقول الأستاذ الدكتور سعيد عاشور: لا يقوم على أساس سليم، ولا يعتمد على دراسة الحركة الصليبية دراسة شاملة، وإنما يكتفي بعلاج مبتور يشمل جزءاً من تلك الحركة، ولا يعبر عن جذورها وأصولها من ناحية، ولا عن ذيولها وبقاياها من ناحية أخرى .
لقد كانت المقاومة الإسلامية لهذا الغزو تعبيراً فذّاً عن استمرار تيار العقيدة في نفوس المسلمين على مستوى القمة حيناً، وعلى مستوى القواعد معظم الأحيان، لقد صنعت الحقبة مجاهدين على درجة كبيرة من الفاعلية والقدرة، وقد انتشر هؤلاء المجاهدون في كل الجبهات، وقاموا بمقاومة الغزاة في كل الفترات، وعلى مدى قرنين من الزمن لم يضعفوا، ولم يستكينوا، أو يضعوا السلاح، كانوا على استعداد في كل لحظة لركوب خيولهم والانطلاق سراعاً إلى الأهداف، والجهاد لا تصنعه النظريات، والأماني، والمجاهد لا يتحرك في الفراغ، ولكنها التحديات التاريخية الكبيرة هي التي تصنع الجهاد، وتبعث المجاهدين، وتنفخ في المقاتل المسلم روح البطولة والتضحية والاستشهاد.
لقد كانت الحروب الصليبية تحدياً كبيراً، لكن المسلمين عرفوا كيف يستجيبون له ويكونون (مجاهدين) كما أراد لهم الله ورسوله أن يكونوا، وليس الجهاد عملاً سريعاً وانتظاراً لقطاف سريع، إنه صبر طويل، وممارسة دائمة، وتضحية بالغالي والرخيص، وزهد في المغنانم القريبة والمنافع العاجلة، وقدرة على تعليق الرغبة المتعجلة بحلول النتائج، وربطها بقدر الله، ومشيئته .
إنَّ أجيالاً من المجاهدين قد تنطوي قبل أن تنكشف النتائج، وقبل أن يطالب أحد منهم بقبض الثمن، أو رؤية النتيجة الحاسمة، فمصائر الصراع تبقى دائماً بيد الله، قد يكشفها على المدى القريب وقد يطول السُّرَى، ويلتوي الطريق.
لقد استغرقت الحروب الصليبية مئتين من السنين، لكن هذا المدى الطويل للعدوان لم يدفع رجال المقاومة المجاهدين إلى اليأس والتشاؤم وإلقاء السلاح، ظلوا يقارعونه بالنَّفَس القوي ذاته، وتسلم الأجيال منهم الراية للأجيال، حتى أذن الله بزوال العدوان وجلاء آخر غاز صليبي عن أرض الإسلام. هل كان أحد يتصور ـ في بدايات الحقبة المريرة ـ أنها ستدوم قرنين، ومن كان يتصور ـ أيضاً ـ أن إماراتٍ ثلاثاً، ومملكةً كبيرة ستطوى الواحدة تلو الأخرى من صفحة الوجود، والحق: أن طول أمد العدوان وامتداده على مسافة قرنين من الزمن لم يكن بسبب من نقص القدرات البشرية والاقتصادية لعالم الإسلام، أو ضعف في التزام الجماهير العقائدي وروحه الجهادية، وإنما في غياب القيادة الموحدة المؤمنة الملتزمة الواعية عبر مساحات من الصراع الطويل، ويوم كانت تبرز قيادات كهذه كانت تتحقق الإنجازات الكبيرة، وكانت النتائج الحاسمة تختزل حيثيات الزمن والمكان، وتحقق من المعطيات ما شهد به الغربيون أنفسهم .
إن زمن قيادة رجل كـ: مودود، ونور الدين محمود، والناصر صلاح الدين لهو الزمن الذي تلقَّى فيه الصليبيون أقسى الضربات، وتمكَّن المجاهدون خلاله من تحقيق أكبر الإنجازات، ولكن كم من هؤلاء القادة برزوا عبر الحقبة الطويلة؟ إن قيادة المقاومة لو أتيح لها أن تتواصل كما تواصلت ـ مثلاً ـ بين نور الدين وصلاح الدين؛ لما طال العدوان، ولاختزلت أيام المحنة والاستنزاف .. يقيناً. ومع غياب القيادة المؤمنة في مراحل شتى من الصراع، كانت القيادات السياسية والعسكرية تتطاحن فيما بينها، فتستنزف الكثير من قدراتها من جهة، وتدير ظهرها للغزاة من جهة أخرى، وإلى جانب هذا فعدد غير قليل من الأمراء المحسوبين على عالم الإسلام مارسوا أنماطاً من الخيانة، وصنوفاً من الغدر من أجل منافعهم ومصالحهم العاجلة، لعبت دورها في عرقلة حركة المقاومة ووضع العراقيل والحواجز في طريقها، وكثيراً ما كان هؤلاء يوجهون طعناتهم القاضية في أشد المراحل حساسية وخطورة، فجلبوا بذلك على حركة المقاومة الكوارث والويلات، ورغم أن قيادات المجاهدين ما كانت تأبه للغدر، فإنها كانت تحتاج دوماً لزمن إضافي كي تجدّد القدرة على مواصلة الطريق. وفضلاً عن هذا وذاك فإن الخليفة العباسي الذي كان يعاني الضعف وهبوط الفاعلية الذي كان حاجزاً مكانيَّـاً، وعقديَّـاً، وسياسيَّـاً أمام قيام الأمراء المجاهدين بدور (الرجل الأول) الذي يدين له العالم الإسلامي من أقصاه إلى أقصاه، والذي يستطيع من خلال مركزه القيادي الشامل أن يوظف جل الطاقات والقدرات الإسلامية من أجل المعركة ضد الغزاة لقد كان الخليفة مجرد ظل سياسي وعسكري، ولكن تربعه على قمة الهرم، وتردّده في العمل في كثير من الأحيان، أعاق مهمة احتواء التحدِّي من قبل رجل قيادي كبير يقف في القمة شكلاً ومضموناً.
إن الخليفة إما أن يكون قديراً على الفعل التاريخي، والتحرك الشمولي، أو أن لا يكون على الإطلاق؛ لأنه في حالة ضعفه، وتهافته، وعدم أخذه زمام المبادرة، وحضوره الكامل في قلب الحدث لن ينسحب بشكل نهائي لكي يتيح المجال لظهور القيادة القمة التي تمارس الحضور التاريخي، وسيبقى ظله يحجب بشكل أو آخر تحقق هذا الهدف الكبير، صحيح: أنَّ رجلاً كنور الدين محمود، أو الناصر صلاح الدين أدّيا دورهما كاملاً، ومارسا حضوراً تاريخياً فذّاً كما سيأتي تفصيل ذلك بإذن الله ـ ولكن ماذا لو أن نور الدين نفسه، أو صلاح الدين نفسه كان خليفة المسلمين؟.
لقد انتهت الحروب الصليبية، وطُهِّرت الأرض الإسلامية من آخر جيب للغزاة بعد قرنين من الزمن، واستطاعت حركة المقاومة أن تحقق هدفها، وتطرد المعتدين عن اخرهم في نهاية المطاف، ومعنى هذا: أن (الاستعمار) أيَّـاً كانت الصيغ التي يعتمدها، والأردية التي يتزيَّـا بها، والأهداف التي يسعى لتحقيقها، لن يكون ـ مهما طال به الأمد ـ بأكثر من ظاهرة عرضية موقوتة لن تقدر على مدّ جذورها في الأرض والتحقق بالاستمرارية والدوام، إنه أشبه بالجسم الغريب الذي يزرع في كيان غير متجانس مع مكوناته وعناصره إن هذا الكيان سيلفظه، إذ ليس ثمة ما يحقق التوافق المطلوب الذي يربط بين الطرفين ويوحِّد تجربتهما، ويختم على مصيرهما. إنَّ الأجسام الغريبة محكوم عليها بالطرد ، ولن تكون الأرض التي تسطو عليها وطناً لها في يوم من الأيام.. تلك هي حتمية التاريخ، والقرآن الكريم يقولها بوضوح: {وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} [آل عمران: 140] فليس ثمة أمة، أو جماعة، أو دولة، أو قوة في الأرض بقادرة على تجاوز حتمية التاريخ .. إنَّها لكلمات ثلاث؛ ولكنها تلخص التاريخ البشري كله، وتمنحه قيمته وحيويته وقدرته على الحركة في الوقت نفسه وسنمضي بإذن الله تعالى قدماً لدراسة الحروب الصليبية من عهد السلاجقة إلى الزنكيين، ثم الأيوبيين، ثم المماليك، لنرى العبرة ونستلهم الدروس، ونستخرج سنن وقوانين الصراع؛ لكي نوظفها لنصرة كتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم .
رابعاً: حركة التفاف الصليبيين:
ما لبثت أوروبة بعد سحق الوجود الإسلامي في إسبانيا أن بدأت بقيادة إسبانيا، والبرتغال، ومن بعدهما بريطانيا، وهولندا، وفرنسا، عملية الالتفاف التاريخية المعروفة على عالم الإسلام عبر خطوطه الخلفية في إفريقية، واسية، والتي كانت بمثابة امتدادٍ لحركة الاستعمار القديم التي ابتلي بها العالم الإسلامي فيما بعد، والتي استمرت حتى العقود التي أعقبت سقوط الخلافة العثمانية، كان المماليك في مصر والشام قد بلغوا مرحلة الإعياء، وكان اكتشاف الطريق البحري الجديد حول رأس الرجاء الصالح قد وجَّه لتجارتهم ـ التي هي بمثابة العمود الفقري لمقدراتهم المادية ـ ضربة قاصمة، أما العثمانيون فكان جهدهم منصبّاً على اختراق أوروبة من الشرق، ولم تكن لديهم الجسور الجغرافية التي تمكنهم من وقف محاولة الالتفاف تلك في بداياتها الأولى، ولكنهم ما لبثوا بعد عدة عقود أن تحركوا لمجابهة الموقف، ومع ذلك فقد دافعت الشعوب والقيادات الإسلامية المحلية في المناطق التي ابتليت بالغزو دفاعاً مستميتاً، وضربت مثلاً صلباً في مقاومتها المتطاولة للعدوان، وألحقت بالغزاة خسائر فادحة على طول الجبهات والمواقع الساحلية التي سعى هؤلاء إلى أن يجدوا فيها موطئ قدم لهم .
يقول جورج كيرك: لقد كان هدف هنري الملاح هو استمرار الصليبيين بواسطة التغلب على دار الإسلام حربيّاً وتجاريّاً ، وانتزاع تجارة الذهب وغيره من أيدي المسلمين ، والاتصال في جنوبي الصحراء بجون (حنا) نجاشي الحبشة للتعاون معه على مهاجمة المسلمين من الجنوب، ومن هنا بدأت في أوائل القرن التاسع الهجري (الخامس عشر الميلادي) وخلال القرن العاشر حركةٌ يقودها البرتغاليون، والإسبانيون في الاستيلاء على موانئ شاطئ إفريقية (مراكش، والجزائر) سبتة، وطنجة، ومليلة، والمرسى الكبير، ثم اتصلت هذه المحاولات باحتلال البرتغاليين للبحرين، ومسقط بقصد محاصرة الأساطيل العربية في البحر الأحمر، والخليج .
وكان البرتغاليون قد وصلوا إلى رأس الرجاء الصالح عام (1487 م) واستطاع الفونسو البوكرك إقامة دولة في الشرق، واستولى على مدينة هرمز. ثم سيطر البرتغاليون على الخليج العربي خلال القرن السادس عشر، وأبحر فاسكو دي جاما إلى موزمبيق، وفي عام (1502م) سيطر على زنجبار وعام (1505م) خرج من البرتغال أسطول تعداده عشرون سفينة، فاحتلوا سفالة، وكلوة، وممباسا، وبلغوا مسقط، وهرمز عام (1509م) وفي عام (1519م) احتلوا السواحل الإفريقية، وانتزعوها من أيدي المسلمين .
غير أن هذه الحركة لم تصل إلى ما كانت تطمع فيه، فقد أوقفتها القوة الإسلامية العثمانية النامية التي استطاعت أن تقضي عليها، فقد ظهر العثمانيون في مياه الخليج (1585م) وقابلهم أهل الساحل بحماس شديد، كما دخلت دولة المماليك مع البرتغال في حروب بحرية، ثم خلف الفرنسيون، والهولنديون، والإنجليز، والبرتغال، وإسبانيا، وخطوا خطوات واسعة كان أبرزها استيلاء هولندا على أرخبيل الملايو، وفرنسا، وإنجلترا على إفريقية، واستأثرت إنجلترا بالهند، كما ناهض الإنجليز البرتغاليين، وأرسلوا سفنهم إلى بلاد فارس عام (1616م) ، وقد استطاع العثمانيون إنقاذ العالم الإسلامي من الغزو البرتغالي الإسباني الذي استهدف خنق التجارة الإسلامية، وحين حاولوا السيطرة على ساحل المغرب الإسلامي للإغارة عليه وضربه، سارع العثمانيون بالسيطرة على المغرب كله ما عدا مراكش، واستطاعوا مواجهة الإسبان في حوض المتوسط، وجزائره وسواحله، وأدلوا منهم، وبذلك استطاعت القوة البحرية العثمانية أن تحفظ شاطئ البحر المتوسط للإسلام والمسلمين، واستطاع العثمانيون أن يسيطروا على ساحل شرق إفريقية، وشمال المحيط الهندي في مطلع القرن الثامن عشر، فأرهب ذلك الأوروبيين . واستطاع أحمد بن سعيد ( 1740 م ) أن يقف في وجههم في عمان؛ حيث فقد البرتغاليون الأمل في استرداد هذه المنطقة، وقد كانت عمان بعد سقوط الأندلس أكبر قوة عربية، ودامت نهضتها من عام (1000 هـ) إلى (1250 هـ) ،وقد استولت على ثغور البحر الأحمر، والمحيط الهندي، والخليج، فإفريقية الشرقية إلى رأس الرجاء الصالح، وفي بضعة أجيال صار أهل عمان سادة هذه البحار العظمى الثلاثة، وصار لهم أسطول ضخم هاجم الأسطول البرتغالي وأجلاه عن جميع الثغور الهندية، والفارسية، والإفريقية .. ولم يصبر الإنجليز على هذه الدولة البحرية التي كانت تهددهم في أملاكهم في آسية وإفريقية، فعملوا على مدى ثمانين عاماً على إضعافها والقضاء عليها، وضرب الأسطول البريطاني مدنها بالقنابل .
خامساً: الاستعمار:
وجاءت الموجة الأوروبية المضادة التالية على يد القوات الاستعمارية التي دفعتها الثورة الصناعية إلى البحث عن مجالاتها الحيوية في القارات القديمة، لتصريف بضائعها والحصول على الخامات الضرورية، وتسخير الطاقات البشرية (الرخيصة) المستعبدة في إفريقية عن طريق نقلها بالقوة، فيما يعرف بحركة تهجير العبيد، التي كانت بمثابة إحد العلامات السوداء في تاريخ الصراع بين أوروبة والشرق، والتي ذهب ضحيتها عدد كبير من أبناء الشعوب الإسلامية في إفريقية، واستمرت هذه الموجة التي قادتها بريطانيا، وفرنسا، وهولنده، وبلجيكا، وإيطاليا، وألمانيا إلى حدٍّ ما حتى العقود الأولى من القرن العشرين وكان العالم الإسلامي فريستها الأولى، بل إنه كان فريستها الوحيدة، إذا استثنينا مساحات محدودة قطنتها أكثريات غير إسلامية، وكانت رغم أهدافها الاقتصادية تتحرك على خلفية صليبية، عبَّرت عن نفسها في أكثر من واقعة، وقدَّمت عبر التاريخ أكثر من دليل.
إن (غلادستون) رئيس الوزراء البريطاني يقولها بصراحة أمام مجلس العموم البريطاني وهو يمسك بالمصحف الشريف: ما دام هذا في عقول المصريين، وقلوبهم فلن نقدر عليهم أبداً .وعندما دخل القائد البريطاني الصليبي القدس بعد الحرب العالمية منتشياً وحلفاء بريطانيا يستقبلونه بحفاوة وتكريم إلا أنه لم يخفِ حقده الصليبي على الإسلام والمسلمين وأظهر سروره وحبوره كقائد صليبي منتصر فتح القدس، وفلسطين تحت الانتداب البريطاني الصليبي، فقال: الآن انتهت الحروب الصليبية . يزعم بهذه العبارة أن هدف الحروب الصليبية باحتلال القدس، وفرض السيادة الصليبية عليها وعلى فلسطين قد تحقق، وهو بهذا يشير إلى أن الحروب الصليبية التي استمرت قرنين من الزمان واحتلت القدس وفلسطين سنة (492 هـ) ، وحررها المسلمين في عام (583 هـ) ، لم تحقق هدفها، أما الحرب العالمية الأولى فقد حققت الصليبية هدفها، واستولت على فلسطين، والقدس، وكانت السيادة لها. وأما القائد الصليبي الفرنسي فقد ذهب إلى قبر صلاح الدين في دمشق وقال عند القبر: ها نحن عدنا يا صلاح الدين .
واستمرت الحرب الصليبية فلم تتوقف، فقامت بريطانيا بإعطاء وطن لليهود على أرض فلسطين، وإقامة دولة يهودية، واتخذت من القرارات والإجراءات الإدارية والعسكرية ما تقيم هذه الدولة، بتدريب اليهود على السلاح وفنون القتال، وتوفير السلاح لهم، بل إعطاء بعض أسلحة الجيش البريطاني لهم، وبخاصة عندما أعلنت بريطانيا انتهاء الانتداب البريطاني على فلسطين في (15/5/1948م) ، بل سلمت كثيراً من المدن والقرى الفلسطينية إلى اليهود ؛ ليعلنوا إقامة دولة يهودية عليها، وفي الوقت ذاته قد حرَّمت على الفلسطينيين المسلمين التدريب على السلاح، واقتناء السلاح، وشنت عقوبات ظالمة على كل فلسطيني يقتني السلاح أو العتاد، فكانت عقوبة الإعدام هي الشائعة، ولقد عُلِّق من المجاهدين المسلمين على أعواد مشانق الصليبيين الإنجليز في تلك الفترة الاف الشهداء، وزُجَّ في غياهب السجون عشرات الألوف .
هذا وقد تزامنت الحركة الاستعمارية، وارتبطت عضوياً بحركة التبشير النصرانية، بجانبها الكاثوليكي، والبروتستانتي، والتي انتشرت مراكزها في طول بلاد الإسلام وعرضها تمهد للاستعمار بأنشطتها المختلفة، وتفتح أمامه الطريق، وتحظى تحت سلطانه بالكثير من المساعدات والميزات ، إلا أن هذا الهجوم الاستعماري الصليبي المضاد لم يمضِ بسلام، ولم تركع الشعوب الإسلامية أمام إرادة القوة التي اعتمدها الغزاة، بل شمروا عن ساعد الجد، واستجاشوا قدرات الإيمان الدافعة ، ووازنوا بتضحياتهم ، وعشقهم الموت ، وركضهم إلى الشهادة نقص إمكانياتهم العسكرية والمادية وصنعوا بذلك الأعاجيب التي أذهلت الغربيين، وعرقلت استمرارية حركتهم، وألحقت بهم الهزائم والويلات، ووضعت في طريقهم الأسلاك الشائكة والألغام، ليس هذا فحسب، بل إنَّ الاستجابة للتحدي الاستعماري النصراني بعث حركات إسلامية أصيلة تخلّقت في مناخٍ جهاديٍّ قاسٍ، واستهدفت مقارعة العدوان وتحرير الأرض والعقيدة والإنسان، وقدمت نماذج من أعمال المقاومة تحدث بها الغربيون قبل الشرقيين، وملأت صفحات ناصعة بيضاء في معطيات التاريخ .
ونحن نذكر على سبيل المثال لا الحصر مقاومة كل من: محمد عبد الكريم الخطابي بالمغرب، وعبد القادر الجزائري وجمعية علماء المسلمين بالجزائر التي قادها عبد الحميد بن باديس، ومحمد البشير الإبراهيمي، وعمر المختار بليبيا، وغير ذلك من حركات التحرر التي تحتاج إلى أقلام صادقة لبحثها وكتابتها، والأمة في أشدِّ الحاجة إلى مثل هذه الدراسات الجادة.
إنَّ الحرب الصليبية لم تنتهِ، ولن تنتهي، وما يحدث في أفغانستان، والعراق من احتلالٍ دليلٌ على ما نقول، ومن أهم دوافع هذه الحروب: أبعاد دينية، وسياسية، وعسكرية، واقتصادية يطول شرحها.

مراجع البحث:
علي محمد الصلابي، دولة السلاجقة وبروز مشروع إسلامي لمقاومة التغلغل الباطني والغزو الصليبي، مؤسسة إقرا، القاهرة، 2006، ص555-566.
أبي فارس، دروس وتأملات في الحروب الصليبية، دار جهينة، الأردن ـ عمان، الطبعة الأولى 1422 هـ 2002 م. ص 30.
عماد الدين خليل، هجمات مضادة في التاريخ الإسلامي، د. مكتبة النور، مصر الجديدة، الطبعة الأولى 1407 هـ 1986 م.ص 41.
أنور الجندي، الإسلام وحركة التاريخ، دار الكتاب اللبناني، بيروت، 1999، ص 392-393
الحركة الصليبية، سعيد عاشور، مكتبة الأنجلو المصرية، الطبعة الرابعة 1986 م. (1/26).
محمود سعيد عمران، تاريخ الحروب الصليبية، دار النهضة العربية، بيروت الطبعة الثانية 1999 م.ص15
حسين أدهم جرار، من أجل فلسطين، مؤسسة الزيتونة ـ عمّان، الأردن، الطبعة الأولى 1419 هـ 1998 م. ص 29.

 

المصدر: الاناضول

اترك تعليقاً

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى