مقالات

قلج أرسلان وجهاده الكبير في آسيا الصغرى: جوانب من الصمود الإسلامي في وجه العدوان الصليبي

قلج أرسلان وجهاده الكبير في آسيا الصغرى: جوانب من الصمود الإسلامي في وجه العدوان الصليبي

ترك ميديا

بقلم الدكتور: محمد علي الصلابي:
لم يكد الغرب الأوروبي يعلم بنبأ النجاح الذي حقَّقته الجموع الصليبية في بلاد الشام وفلسطين؛ حتى تحمَّس كثير من الأمراء الذين لم يشاركوا من قبل في الذهاب إلى الشرق، تدفعهم مطامع شخصية دنيوية، وهي الحصول على الغنائم، والضياع فضلاً عن مطامع دينية، وهي الحصول على الثواب، والغفران، ويُذكر بأن الصليبيين في الشرق كانوا بحاجة ماسَّة إلى محاربين، ومستعمرين بهدف:
1 ـ مواصلة الحرب ضد المسلمين.
2 ـ استئناف عملية التوسع.
3 ـ حراسة ما حقَّقوه من مكاسب.
4 ـ المحافظة على هذه الحقوق ضدَّ أيِّ محاولة استرداد من جانب المسلمين.
5 ـ استجاب المجتمع الغربي لهذه الظاهرة، وانبعث منه صحوة صليبية أسفرت عن تدفق جموع صليبية أخرى إلى الشرق.

أ ـ معركة مرسيفان:
تحرك الجيش الصليبي الضخم من نيقوميدية إلى دوريليوم بهدف الوصول إلى الأراضي المقدسة، على أن يعيد أثناء زحفه فتح الطريق الذي يجتاز آسيا الصغرى، لذلك أوصى الإمبراطور ستيفن بلوا بأن يسلك الجيش الطريق الذي سلكته الجموع الصليبية السابقة الذي يجتاز دوريليوم وقونية، غير أن اللمبارديين رفضوا التوجه إلى الأراضي المقدسة إلا بعد فك أسر بوهمند الذي اتخذوه مثلاً يُحتذى وبطلاً لهم، والمحارب الوحيد الذي يثقون به ليقودهم إلى النصر، وأصرّوا بأن تتوجه الحملة إلى كمبادوكية.
كما حثَّ رضوان صاحب حلب على أن يرسل عدداً من الجنود ، وصل الصليبيون إلى كنغري فألْفَوْا الأتراك فيها بكامل قوتهم، واستعصت عليهم المدينة لمناعتها، فاضطروا إلى متابعة سيرهم بعد أن نهبوا القرى المجاورة، لكن التعب بدأ يظهر عليهم بسبب النقص في المؤن، وشدة الحرارة، ومضايقة الأتراك، واقترح ريموند ـ حتى يجنِّب الجيش الدمار المحقق ـ أن يتوجه صوب الشمال الشرقي إلى قسطموني، ومنها إلى إحدى المدن البيزنطية على ساحل البحر الأسود. على أن الرحلة إلى قسطموني كانت بطيئة وشاقة بسبب نفاد المؤن، وتدمير الأتراك للمحاصيل الزراعية، وردمهم للابار، وتعرَّض الصليبيون لهجوم تركي مفاجأئ، فتفرّقوا لا يلوون على شيء قبل أن يعيد ريموند لمَّ شعثهم، ولما وصلوا إلى أطراف قسطموني، كان على ريموند أن يشق طريقاً بين الجموع التركية إلى الساحل، على أن اللمبارديين أصرّوا مجدداً على التوجه إلى الشرق، ونزل باقي الأطراف على رأيهم مرغمين .
واجتاز الجيش الصليبي نهر هاليس إلى بلاد الدانشمدين، ووصل أفراده إلى مدينة مرسيفان الواقعة في منتصف الطريق بين النهر وأماسيا.
وعندما أدرك الأتراك: أنَّ القوة الصليبية أصبحت منهكة تقدَّموا نحوها، واصطدموا بها، ولم يمضِ وقت طويل حتى تضعضع الصليبيون، وفرُّوا من أرض المعركة تحت ضغط القتال مخلفين وراءهم نساءهم ورهبانهم، ولجأ ريموند إلى تلٍّ صغير احتمى به، إلى أن أنجده الفرنسيون، والألمان، ثم هرب خلال الليل بعدما يئس من إحراز أيِّ نصر، وترك وراءه المعسكر الصليبي ومن كان به من غير المحاربين، ليقع غنيمة في أيدي الأتراك .
تلت المعركة عملية مطاردة لم ينج منها إلا الفرسان، وبلغت خسائر الصليبيين أربعة أخماس الجيش ، واستولى الأتراك على كميات كبيرة من الأسلحة، وغنموا كثيراً من الأسرى بيعوا رقيقاً، ولم يلبث ريموند أن وصل إلى بافرا، الميناء البيزنطي الصغير على البحر الأسود قرب سينوب، وأقلَّته من هناك سفينة بيزنطية إلى القسطنطينية ،
ب ـ معركة هرقلة الأولى:
محت الكارثة التي حلَّت بالصليبيين في مرسيفان، الشهرة التي اكتسبها هؤلاء نتيجة انتصارهم في دوريليوم، وزاد من أثرها: أنها لم تكن الكارثة الأخيرة ؛ إذ في الوقت الذي غـادر فيه اللمبارديون مدينة نيقوميدية، وصل إلى القسطنطينية جيش فرنسي بقيادة وليم كونت نيفر على رأس خمسة عشر ألف من الفرسان، والمشاة، وحرص وليم على اللحاق باللمبارديين على وجه السرعة، فغادر القسطنطينية إلى نيوقوميدية، وعلم فيها: أن الجموع الصليبية مضت في طريقها إلى أنقرة فسار إلى هذه المدينة ووصل إليها بسهولة. لكن لم يكن أحد يعلم بالجهة التي سارت إليها هذه الجموع، لذلك لم يَسَعِ الكونت إلاَّ أن توجه نحو قونية، ولما وصل إليها ضرب الحصار عليها، وتولَّت حامية تركية سلجوقية الدفاع عنها، وما قام به من محاولات للاستيلاء عليها باءت بالفشل، فتركها .
كان السلاجقة وحلفاؤهم قد فرغوا في غضون ذلك، من إبادة الجموع اللمباردية، وعلم قلج أرسلان، وكمشتكين أحمد دانشمند بقدوم هذا العدو الجديد، وإذ لا زالت تغمرهما حرارة الانتصار؛ سارا نحو الجنوب، وسبقا وليم إلى هرقلة، وسارت عساكر نيفر ببطء من قونية متوجهين نحو الشرق، ولما وصلوا إلى مكان قريب من هرقلة؛ وكان التعب قد استبدَّ بهم، هاجمهم الأتراك، فانهارت مقاومتهم بعد معركة لم تستمر طويلاً، ولقي الجيش الفرنسي بأسره مصرعه باستثناء الكونت، وستة من أتباعه .
ج ـ معركة هرقلة الثانية:
في الوقت الذي كانت فيه حملة نيفر تجوس آسيا الصغرى، وصلت الدفعة الأخيرة من تلك الجموع الصليبية إلى القسطنطينية، وتألَّفت من فرنسيين، وألمان بقيادة وليم التاسع دوق أكويتين، وولف الرابع دوق بافاريا، وبلغ عدد أفرادها ستين ألف مقاتل خرجت هذه الجموع من القسطنطينية باتجاه قونية، وسلكت الطريق نفسه الذي سلكه بوهمند من قبل، وانتهج الأتراك تجاهها الخطط نفسها التي طبَّقوها من قبل بإحراق الغلال، وإتلاف المؤن، وطمر الابار، ولما وصل أفراد هذه المجموعة إلى قونية؛ وجدوا المدينة خاوية، وكانت الحامية السلجوقية قد أخلتها بعد أن قاومت حملة نيفر، وحملت معها كلَّ ما كان فيها من مؤن، كما جرَّدت البساتين والحدائق من كل ما يمكن أن يفيد الصليبيين .
د ـ نتائج معارك قلج أرسلان السابقة:
انتهت كل مجموعة من المجموعات الثلاث، نهاية محزنة أثَّرت نتائجها في سير الحركة الصليبية من جهة، وفي الأتراك بعامة، والسلاجقة بخاصة من جهة أخرى، وأهم هذه النتائج هي:
1 ـ ثأر السلاجقة لما حلَّ بهم في دوريليوم، فلن يجري بعدئذ طردهم من الأناضول، كما رفعت الانتصارات المتتالية روحهم المعنوية.
2 ـ ظل الطريق الذي يجتاز آسيا الصغرى إلى بلاد الشام غير امن للجيوش الصليبية، والبيزنطية على السواء، على الرغم من نجاح المجموعات الصليبية الأولى في اقتحامه، فخشي المهاجرون الصليبيون سلوك هذا الطريق البري الذي يجتاز القسطنطينية إلى إيسوس ما لم يكونوا في جيوش ضخمة، ولم يعد بوسعهم القدوم إلا بحراً مع ما يتطلّب ذلك من مصاريف إضافية لم يتمكن من دفعها إلا القليل. وظل هذا الطريق البري مغلقاً في وجه الصليبيين عدة أعوام .
3 ـ ألقى الصليبيون اللوم على البيزنطيين بما حلَّ بهم من مصائب وحمَّلوهم مسؤولية ما حدث. وتردَّدت الشائعة بينهم: أن ريموند كان يُنفّذ تعاليم الإمبراطور عندما أخرج الجيش الذي يقوده عن طريق المرسوم؛ ليلقى أفراده حتفهم في كمين سبق إعداده، والواقع: أن اللاتين أرادوا التماس كبش فداء يتحمَّل مسؤولية أخطائهم، فألقوا اللوم على البيزنطيين، وعدُّوهم مسؤولين عمَّا حلَّ بهم من كوارث .
4 ـ لم يلبث قلج أرسلان أن ازداد افتخاراً بعد هذه الانتصارات، وشاركه سائر أتراك الأناضول، وأضحى بوسعه أن يعيد سيطرته على جوف الهضبة، ثم أقام في عاصمته قونية الواقعة على الطريق الرئيس الذي يربط القسطنطينية لبلاد الشام .
5 ـ استأنف الدانشمنديون فتوحهم في وادي الفرات دون عائق، وبلغوا أطراف إمارة الرُّها، كما فتحوا ملطية، وأسروا حاكمها في (23 ذي الحجة 495 هـ/18 أيلول 1102 م) .
6 ـ أعاد رحيل الصليبيين إلى بلاد الشام الخصومة، والتنافس بين السلاجقة، والدانشمنديين، وتنازع البيتان التركيان الكبيران حول امتلاك ملكية وفدية بوهمند، فتفكَّكت بذلك جبهة الأتراك في المنطقة .
هـ ـ أثر وفاة قلج أرسلان:
راسل زنكي بن جكرمش قلج أرسلان الأول يستنجد به، وكان انذاك في ملطية، ووعده بتسليمه الموصل والأعمال التابعة لها، واستغل السلطان قلج السلجوقي هذه الفرصة للتوسع على حساب الأمراء المتنازعين، فأسرع لنجدة زنكي، ولما علم جاولي بمسيره؛ انسحب من المدينة، لا سيما وقد توفي جكرمش فجأة وهو في الأسر، وكان ينوي اتخاذه أداة للمساومة، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنه أدرك: أنَّ لقلج أرسلان الأول من القوة ما لا يستطيع مجابهته في معركة سافرة، لذلك قرَّر تكوين حلف مناهض له حتى يدعم موقفه ، لكن قلج أرسلان الأول تمكَّن من دخول الموصل وسط ترحيب السكان، وقد وعدهم باحترام حرياتهم، وأجرى فيها بعض الترتيبات الإدارية.
1 ـ فسلاجقة الروم الذين لم يظهر بينهم زعيم قوي يحل محل قلج أرسلان تعرَّضوا لضغط متزايد من جانب الإمبراطورية البيزنطية التي جدَّدت تدخلها في شؤونهم الداخلية، واستطاع ألكسيوس كومنين أن يعيد باطمئنان سيطرته على المناطق الغربية لآسيا الصغرى وعلى امتداد ساحلها الجنوبي.
2 ـ أطالت وفاة قلج أرسلان من عمر دولة السلاجقة العظام ما يقرب من مئة عام. ذلك: أن الانقسامات الحادة داخل الدولة بين السلاطين والأمراء للسيطرة على العرش، وكثرة الحروب الداخلية بينهم بالإضافة إلى الأخطار الخارجية التي أحاقت بهم كخطر الحشيشية، والخطر الصليبي، وشجَّع قلج أرسلان على التدخل في شؤون الشرق للسيطرة على مقاليد الحكم، وليوحِّد من جديد كلَّ القوى السلجوقية في المشرق، وكان باستطاعته تحقيق حلمه هذا، فالظروف السيآسيا الداخلية، والخارجية مواتية، غير أن وفاته أنقذت السلاجقة العظام من الزوال، وأطالت أمد عمرها.
3 ـ تُعدُّ وفاة قلج أرسلان مرحلة بالغة الأهمية في انفصال سلاجقة الروم عن سلاجقة المشرق ؛ ذلك أن الأخطار الداخلية والخارجية التي أحاقت بدولة السلاجقة العظام حالت بينهم وبين التدخُّل في شؤون الفروع السلجوقية الأخرى، وبخاصة في بلاد الشام، وآسيا الصغرى، والجدير بالذكر: أن دولة سلاجقة الروم كانت لا تزال حتى ذلك الوقت تابعة اسميّاً للسلاجقة العظام، ولم تستقلَّ تماماً إلا في عام (552 هـ/1157 م) .
4 ـ حرم موت قلج أرسلان سلاجقة الشام من قوة كانت كفيلة بإقامة الوحدة بينهم، ذلك: أن السيادة السلجوقية في بلاد الشام أخذت تتقلَّص سريعاً؛ لأن ابني تُتش: رضوان، ودقاق لم يتمتعا بالمقدرة السيآسيا التي تمكِّنهما من مواجهة الأوضاع القلقة التي عاشتها بلاد الشام في أواخر القرن الخامس الهجري، الحادي عشر الميلادي، وأوائل القرن التالي، ولعل أكبر مظهر لانحلال سلطان السلاجقة في بلاد الشام، والعراق، وغيرهما هو ظهور عدد كبير من البيوت الحاكمة التي تجمعها رابطة الاتصال بالبيت السلجوقي، وظهرت من تلك البيوت وحدات سيآسيا أطلق عليها اسم الأتابكيات، وعلى أصحابها اسم الأتابك .
5 ـ أزالت وفاة قلج أرسلان خطراً شديداً عن صدر الإمبراطورية البيزنطية في وقت حرج؛ إذ كان بوهمند يستعد لمهاجمة بلاد البلقان في عام (501 هـ/1107 م) انطلاقاً من حصن دورازو المنيع، وقد ضحى ألكسيوس كومنين بحدود بـلاده الجنوبية الشرقية من أجل إنقاذ دورازو، فعقد معاهدة مع قلج أرسلان حصل بموجبها منه على مساعدة عسكرية، إلا أن وفـاتـه المفاجئة، وعدم وجود شخصية قويـة تحل محلـه أعطاه الـفرصـة ليتفرغ وهو مطمئن لمواجهة خطر بوهمند؛ الذي انهزم أمـامـه عام (502هـ/1108 م) .
6 ـ جعلت وفاة قلج أرسلان الموقف في آسيا الصغرى مائعاً ؛ إذ إن أكبر أولاده الأربعة وهو ملكشاه، أضحى أسيراً في يد السلطان محمَّد بعد معركة الخابور، بينما استولت أرملته على ملطية والأقاليم الشرقية بمساعدة الأمير أيدبر الذي اعترف بسيادة طغرل أرسلان أصغر أولاد قلج أرسلان على بلاد الروم، أما الأخوان الاخران، وهما مسعود، وعرب؛ فقد عاش الأول في بلاد الدانشمنديين في حين استقر الثاني قي قونيه .
7 ـ لم يكن انهيار الحكم المركزي لسلاجقة الروم لصالح البيزنطيين؛ لأن أولئك استمروا في شنِّ الغارات على أراضي الإمبراطورية على بعض الحصون في المناطق الحدودية، على أنه لم يشأ أن يغامر بالقيام إلى قيليقية أو إلى بلاد الشام، وكان هذا التصرف منه لصالح السلاجقة الذين تفرَّغوا لمعالجة مشكلاتهم الداخلية.
مراجع البحث:
علي محمد الصلابي، دولة السلاجقة وبروز مشروع إسلامي لمقاومة التغلغل الباطني والغزو الصليبي، مؤسسة إقرا، القاهرة، 2006، ص712-720.
ابن الأثير، الكامل في التاريخ، ، ط دار الفكر، بيروت، 1398 هـ 1978 م. (8/502).
محمد سهيل طقوش، تاريخ الزنكيين في الموصل وبلاد الشام، دار النفائس، الطبعة الأولى 1419 هـ 1999 م. ص 68.
محمد سهيل طقُّوش، تاريخ سلاجقة الروم في آسيا الصغرى، دار النفائس، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى 1423 هـ 2002 م.ص 111.
سعيد عاشور، الحركة الصليبية، مكتبة الأنجلو المصرية، الطبعة الرابعة 1986 م. (1/26).
محمود سعيد عمران، تاريخ الحروب الصليبية، دار النهضة العربية، بيروت الطبعة الثانية 1999 م.ص15

 

المصدر: ترك ميديا

اترك تعليقاً

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
كيف يمكنني مساعدتك؟