مقالات

من زاوية جيل خَبِر كل وجوه الانقلاب

تعلم اللغة العربية بالتفاعل

إن وجود نقاش أو جدل حول اعتبار ما حدث في تونس انقلابًا من عدمه، يعتبر أمرًا غير منطقي من وجهة نظر تركيّة. لا سيما وأننا جيل قد خَبِرنا كل أنواع وأشكال ووجوه الانقلاب مهما حاول التنكّر. سواء كان ذلك عبر تدخل العسكر بدباباته وآلياته العسكرية بناء على يسميه دعوة من الشعب، كما حصل في انقلابات (1960 – 1971 – 1980)، أو عبر الإعلام ومنظمات المجتمع المدني وما شابه من عمليات “الدولة العميقة” ما بعد الحداثة . وأحيانًا يظهر الانقلاب عبر مذكرة إلكترونية يتم نشرها عبر الإنترنت، وأحيانًا أخرى يظهر عبر استخدام جزء من الجمهور “حقوق التظاهر الديمقراطي” ضد جزء آخر من الجمهور، كما هو الحال في تجمعات الجمهورية.

أحيانًا يتم القبض عليه وهو متلبس في جرمه، يعزم حرق بلد بأكمله من أجل حماية شجرة، وأحيانًا يأتي في صورة دعوى قضائية ملتهبة تريد الإطاحة بالحكومة بسبب مزاعم فساد. ثم تراه يلجأ بعد ذلك إلى التنكر بهيئة ديمقراطية من خلال التلاعب بالانتخابات بالتحالف مع بعض الجهات الفاعلة، لكنه في نهاية المطاف يعود إلى نقطة البداية مرة أخرى، ويظهر في أقدم وجوهه وأكثرها كلاسيكية، كما حدث في 15 يوليو/تموز.

بينما كانت تعيش تركيا أحدث “غيزي بارك” 2013 الشهيرة، كانت مصر في تلك الأثناء ذاتها تعيش حالة مشابهة بنفس الوسائل الخطابية من خلال “حركة تمرّد”. كانت تلك الحركة تحمل تحذيرًا من قبل أحزاب سياسية ومنظمات مجتمع مدني، موجّهة إلى الرئيس الراحل محمد مرسي الذي لم يكن بعد قد أمضى عامًَا من رئاسته، بتهمة أنه يحكم البلاد بمفرده وبالتالي فهو ديكتاتوري. وكجيل خبير بلغة الانقلابات، كنا ندرك منذ تلك اللحظة أن ما يجري هو تمهيد لدعوة مباشرة إلى الجيش في نهاية المطاف كي يسيطر على المشهد.

أما في تونس، يُقال أن ما قام به الرئيس التونسي المعروف بخبرته في مجال القانون والدستور قيس سعيد، كان انقلابًا ديستوريًّا. هو انقلاب يستمد شرعيته من المادة 80 من الدستور. بيد أن المادة المذكورة من الدستور التونسي لا تمنح سلطة من هذا النوع لرئيس الجمهورية. وبتعبير أدق، إن استنباط هذا النوع من السلطة عبر تلك المادة، يحتاج إلى إخضاعها لتفسير متطرف للغاية. الأمر واضح وهو بالنسبة لنا لا يختلف عن حركة قامت بها القوات المسلحة من خلال الاتكاء أيضًا على مادة دستورية تحاول ليّها وطيّها لتكون على مقاسها، ولا يمكن في النهاية أن تمنح هذه المادة أي حق لتنفيذ انقلاب.

تنص المادة 80 من الدستور التونسي على أنه “لرئيس الجمهورية في حالة خطرٍ داهمٍ مهددٍ لكيان الوطن وأمن البلاد واستقلالها، يتعذر معه السير العادي لدواليب الدّولة، أن يتخذ التدابير التي تحتمها تلك الحالة الاستثنائية، وذلك بعد استشارة رئيس الحكومة ورئيس مجلس نواب الشّعب وإعلام رئيس المحكمة الدّستورية، ويعلن عن التّدابير في بيان إلى الشعب”. ووفق الفقرة الثّانية من نفس الفصل “يجب أن تهدف هذه التّدابير إلى تأمين عودة السّير العادي لدواليب الدّولة في أقرب الآجال، ويُعتبر مجلس نواب الشعب (البرلمان) في حالة انعقاد دائم طيلة هذه الفترة. وفي هذه الحالة لا يجوز لرئيس الجمهورية حل مجلس نواب الشعب كما لا يجوز تقديم لائحة لوم ضد الحكومة”. وتقضي الفقرة الثالثة من الفصل 80 ، بأنه “بعد مضيّ 30 يومًا على سريان هذه التّدابير، وفي كل وقت بعد ذلك، يعهد إلى المحكمة الدستورية بطلب من رئيس مجلس نواب الشعب أو 30 من أعضائه البتُّ في استمرار الحالة الاستثنائية من عدمه”.

إلا أن الرئيس سعيد قد أعلن دون دراية بهذه التفاصيل، حل البرلمان أولًا إلى جانب رفع الحصانة عن النواب، وتولي السلطة التنفيذية. لكنه مع بدء ردود الفعل الأولى اضطر أن يوضح بأن تعليق البرلمان هو لمدة شهر واحد فقط.

ويجدر الإشارة هنا إلى إحدى التفاصيل المتعددة المهمة، وهي وجود تحضيرات منذ أشهر لتهيئة الشارع التونسي لدعم هذا الانقلاب. وإن هذه التحضيرات في الواقع هي جهد مكثف لخلق عدم ثقة إزاء العمليات الديمقراطية التي ساهمت في انتخابه. وكان القصد منها بشكل خاص خلق انطباع بأنّ العملية البرلمانية الديمقراطية لم تجلب سوى الفوضى، وصعوبة الإدارة، والإفلاس الاقتصادي للشعب التونسي.

لقد عمل قيس سعيد ذاته على خلق هذا الانطباع. ومنع الأحزاب السياسية والبرلمان وحتى رئيس الحكومة الذي عينه هو، من القيام بأعمالهم، عبر مواقف لمعارضته الشعبوية، وانتقاده المستمر لهم.

لقد حاول بدعم أو توجيه من فرنسا والإمارات عبر حملات وسائل الإعلام التابعة لهما، ترسيخ مفهوم بين الشعب يقوم على أن الديمقراطية ليست الخيار الأنسب أو المخرج الوحيد لتونسي.

على الرغم من أنه اعترض على وزير الصحة حول تنفيذ الأخير تدابير عدة لمكافحة كورونا وأعاق عمله أيضًا، راح ينتقده وينتقد الحكومة بسبب تزايد عدد الحالات.

وفي نهاية المطاف بعد هذه السياسة الممنهجة، استطاع انقلاب سعيد أن يجد آذانًا صاغية له بين الناس، ومصفقين ومرحبين. لكن على الرغم من ذلك، هناك من بات ينظر إلى تلك التصرفات الغريبة التي تمخض عنها انقلاب في النهاية؛ بنظرة خاصة تساؤلية، والتحقيق في سياسة الرئيس ذاته في هذا الصدد.

لقد روّج قيس سعيد لفكرة أن بعض الأحزاب السياسية تتلقى دعمًا ماليًّا من الخارج. وبالطبع حينما تُرفق هذه الزاعم بتهمة التمويل من تركيا وقطر، سرعان ما تكتسب بعدًا خاصًّا ومصفقين ومطبّلين لها. إلا أنه بات واضحًا من الذي يتلقى دعمًا ماليًّا من الخارج، حيث أن حزب الدستور التونسي الحر باعتباره الحزب السياسي الوحيد الذي دعم سعيد وانقلابه، تلقى بوضوح دعمًا ماليًّا من الإمارات. بل إنه يتوقع الآن قدوم 5 مليارات دولار من الإمارات كمكافأة.

ومن الواضح للغاية ما هو السبب والدافع وراء هذا الدعم من قبل الإمارات. ولا يخفى على أحد أصلًا أن الإمارات ستقدم كل أنواع الدعم مقابل الانقلاب على الديمقراطية في تونس.

لكن السؤال الرئيسي هنا، هو أنه بينما يحظر الدستور التونسي التمويل الخارجي لصالح أي حزب سياسي، وبينما يتهم أحزاب سياسية مثل النهضة وقلب تونس بتلقي أموال من الخارج؛ إذن على ماذا سيستند وعلى أي مادة دستورية سيعتمد تمويل الإمارات القادم للرئيس التونسي سعيد؟ هل سيشعر سعيد بالحاجة إلى توضيح هذا التمويل أمام شعبه؟

ياسين أقطاي _ ترك ميديا

المصدر : يني شفق 

اترك تعليقاً

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى