اكرم امام اوغلو
في قصة تجمع التناقضات وتختزل التحولات العاصفة في المشهد السياسي التركي، يبرز اسم أكرم إمام أوغلو، رجل الأعمال والسياسي الذي حمل آمال إسطنبول على كتفيه، ثم وجد نفسه في قلب زوبعة قضائية وسياسية تهدد بإقصائه من الحياة العامة.
القصة لا تبدأ باعتقاله عام 2025، بل تمتد جذورها إلى طفولته في قرية جيفيزلي، وحتى اللحظة التي صعد فيها إلى قمة الهرم البلدي في أكبر مدن تركيا.
من هو اكرم امام اوغلو
النشأة والخلفية الأسرية
ولد أكرم حسن إمام أوغلو في الرابع من يونيو/حزيران عام 1970 في قرية جيفيزلي التابعة لقضاء أكشابات بولاية طرابزون، الواقعة شمال شرق تركيا.
نشأ في بيئة ريفية محافظة، وسط عائلة صغيرة تتكون من والديه وأخته نسليهان، التي تصغره بأربعة أعوام.
اختار والده، حسن إمام أوغلو، الابتعاد عن الزراعة التي كانت السمة العامة للمنطقة، وتوجه نحو الأعمال، مما ساهم في توفير بيئة اقتصادية مستقرة نسبيا للعائلة.
تميزت طفولة أكرم بروح القرية وتقاليد البحر الأسود، حيث كان للدين والتقاليد حضور قوي في الحياة اليومية.
وكان والده من الناشطين في حزب الوطن الأم بطرابزون، مما أتاح لأكرم احتكاكا مبكرا بالشأن السياسي.
اقرا ايضا: رجب طيب أردوغان: من البدايات إلى الرئاسة

زوجة وأولاد إمام اوغلو
في عام 1995، تزوج من ديليك كايا، المتخصصة في مجال السياحة والاقتصاد.
رزقا بثلاثة أبناء: محمد سليم، وُلد عام 1997، وسميح عام 2005، أما الصغرى، بيرين، فقد أبصرت النور في 2011.
أكرم إمام أوغلي
التعليم والتكوين العلمي
بدأ أكرم تعليمه الابتدائي والإعدادي في مسقط رأسه، ثم أكمل دراسته الثانوية في مدرسة طرابزون الثانوية، قبل أن يقبل في جامعة شرق البحر الأبيض المتوسط في قبرص الشمالية بقسم الهندسة المدنية.
لاحقا، غير تخصصه إلى إدارة الأعمال في جامعة جيرني الأميركية الخاصة.
وبعد عامين، انتقل إلى جامعة إسطنبول، حيث تخرج في قسم إدارة الأعمال باللغة الإنجليزية عام 1994، وتابع دراسة الماجستير في الإدارة والموارد البشرية.
كان إمام أوغلو شغوفا بالرياضة، ولعب كرة اليد وكرة القدم، ووصل إلى مركز حارس مرمى في نادي تورك أوجاي ليماسول الرياضي.
استمرت علاقته بالرياضة حتى مراحل لاحقة من حياته، إذ عمل في إدارات أندية رياضية عدة.
التحولات الفكرية والسياسية
بدأت توجهات إمام أوغلو السياسية يمينية، تماشيا مع بيئته المحافظة، فانضم لحزب الوطن الأم الليبرالي في التسعينيات.
لكن في 2008، غيّر مساره السياسي وانضم إلى حزب الشعب الجمهوري اليساري العلماني.
البدايات المهنية والسياسية
دخل إمام أوغلو عالم الأعمال عبر شركة العائلة المختصة بالبناء، وشغل منصب رئيس مجلس إدارتها.
وفي الوقت نفسه، نشط في المجتمع المدني والأندية الرياضية. عام 2008، انخرط فعليا في حزب الشعب الجمهوري، وسرعان ما صعد إلى رئاسة فرع الحزب في بيليك دوزو.
عام 2014، ترشح لرئاسة بلدية بيليك دوزو وفاز بنسبة 50.8%.
خلال فترته هناك، أنجز مشاريع تنموية نالت إعجاب السكان، ورفعت من شعبيته، مما مهد الطريق لترشحه لاحقا لرئاسة بلدية إسطنبول.
رئاسة بلدية إسطنبول الكبرى
في عام 2017، أعلن أكرم إمام أوغلو ترشحه لرئاسة بلدية إسطنبول الكبرى عقب استقالة رئيس البلدية آنذاك، قادر طوباش.
إلا أن الانتخابات أسفرت عن فوز مرشح حزب العدالة والتنمية، مولود أويصال.
في انتخابات 2019، عاد إمام أوغلو مرشحًا عن حزب الشعب الجمهوري، ونجح في اقتناص الفوز برئاسة بلدية إسطنبول الكبرى في مارس/آذار، وتسلّم مهامه رسميا في أبريل/نيسان.
غير أن حزب العدالة والتنمية اعترض على نتائج الانتخابات، ليقبل المجلس الأعلى للانتخابات الطعن في 6 مايو/أيار، ويقرر إلغاء النتائج وتعيين والي إسطنبول، علي يرلي كايا، رئيسا مؤقتا للبلدية.
لكن الرياح أتت بما اشتهته سفن إمام أوغلو؛ ففي انتخابات الإعادة التي جرت في 23 يونيو/حزيران، عاد وحقق فوزا كاسحًا بنسبة 54% من الأصوات، متقدمًا بفارق 6 نقاط مئوية عن الانتخابات الأولى.
رغم انتمائه لحزب الشعب الجمهوري ذي التوجه العلماني، حرص إمام أوغلو في حملته الانتخابية على إظهار جذوره المحافظة؛ فنشر مقطعًا مع والدته المحجبة، وشارك في احتفال ديني بمناسبة مولد النبي محمد ﷺ في حي السلطان أيوب، حيث قرأ سورة يس على أرواح ضحايا هجوم نيوزيلندا.
في الانتخابات المحلية التي جرت في مارس/آذار 2024، جُدّد له الفوز، وأُعيد انتخابه رئيسًا لبلدية إسطنبول الكبرى.
خلال فترة رئاسته، أطلق سلسلة من المشاريع التنموية والاجتماعية، منها:
- مطاعم المدينة: لتوفير وجبات عالية الجودة بأسعار مدعومة.
- بطاقة الأم: نقل مجاني للأمهات اللاتي لديهن أطفال دون سن الرابعة.
- الخير في المنزل: توصيل المواد الأساسية للعائلات المحتاجة.
- الحليب المجاني: توزيع الحليب على أطفال الأسر ذات الدخل المحدود.
- تنظيف القرن الذهبي: جهود بيئية لحماية وإعادة تأهيل معلم طبيعي مهم.
أما أبرز إنجازاته، فكان مشروع “الفاتورة المعلقة” الذي أطلقه خلال الجائحة في 2021، ونال عنه جائزة بلومبرغ العالمية لرؤساء البلديات عام 2022.
المشروع يتيح للمحتاجين إدخال فواتيرهم غير المدفوعة على منصة إلكترونية ليتكفل المتبرعون بتسديدها.

اعتقال امام اوغلو
قضايا واتهامات
منذ توليه رئاسة بلدية إسطنبول الكبرى، لم يبتعد أكرم إمام أوغلو عن دوامة القضاء والسياسة.
البداية كانت في عام 2019، عندما رفعت ضده دعوى أمام المحكمة الجنائية بتهمة “إهانة” أعضاء المجلس الأعلى للانتخابات، بعد وصفه لهم بـ”الحمقى” على خلفية إلغاء نتائج الانتخابات البلدية الأولى.
في ديسمبر 2022، أصدرت المحكمة حكمًا بسجنه لعامين و7 أشهر و15 يوما، ومنعته من ممارسة العمل السياسي.
إمام أوغلو اعتبر الحكم ذا دوافع سياسية، وقدم استئنافا لا يزال معلقا.
وبموجب القانون التركي، فإن تثبيت الحكم من قبل المحكمة العليا يعني حرمانه من الترشح والانضمام لأي حزب سياسي، مع بقائه مؤهلًا للترشح كمستقل في الانتخابات البرلمانية أو البلدية فقط.
الملف ازداد تعقيدا في 18 مارس 2025، حين أعلنت جامعة إسطنبول إلغاء شهادة البكالوريوس الخاصة به، بدعوى انتقاله غير القانوني من جامعة جيرني الأمريكية إلى برنامج إدارة الأعمال بالإنجليزية في الجامعة.
القرار أحيل للنيابة العامة ومجلس التعليم العالي. إمام أوغلو رد بغضب، واصفا القرار بأنه سياسي وغير قانوني، وأكد نيته رفع دعوى قضائية، مشيرا إلى أن الشهادة ألغيت بعد 31 عاما من حصوله عليها، في توقيت حساس كان من المتوقع أن يعلن فيه ترشحه لرئاسة الجمهورية – وهو أمر يتطلب وفقًا للقانون شهادة تعليم عال.
وفي تطور دراماتيكي، أُلقي القبض عليه في 19 مارس 2025 خلال حملة أمنية واسعة نفذتها شرطة إسطنبول، طالت نحو 100 شخصية سياسية وإعلامية واقتصادية.
شملت العملية تفتيش منزله في منطقة ساريير ومصادرة شركة “إمام أوغلو للإنشاءات”، بناء على قرارات من وحدة الجرائم المالية.
التحقيقات توزعت على ملفين رئيسيين:
الإرهاب:
اتهم بأنه دعم جماعة إرهابية، وتوظيف أفراد على صلة بمنظمة محظورة داخل وكالة تخطيط إسطنبول، مع الإشارة إلى صلات مزعومة بحزب العمال الكردستاني.
الفساد:
اتهم بأنه “زعيم لتنظيم إجرامي ربحي” داخل البلدية، عبر تعيين موالين له أنشأوا شبكة فساد تورطت في التلاعب بالمناقصات، والابتزاز، والرشاوى، وسرقة البيانات، واستخدام مشروع “التوافق الحضري” لتمرير صفقات مشبوهة لصالح شركات مقرّبة من حزب الشعب الجمهوري وحزب العمال الكردستاني.
في أعقاب الاعتقال، فرض والي إسطنبول قيودا أمنية مشددة لمدة 4 أيام، شملت منع التظاهرات، إغلاق بعض الطرق ومحطات المترو، وقيودا على الوصول إلى تطبيقات التواصل الاجتماعي.
ورغم ذلك، خرجت مظاهرات في شوارع المدينة تندد بالاعتقال وتصفه بأنه تصفية سياسية، لا إجراء قانونيا.
أما الحكومة، بقيادة الرئيس رجب طيب أردوغان، فرفضت هذه الاتهامات، مؤكدة استقلال القضاء التركي.
الشارع منقسم، الأنظار مشدودة، والقضية أبعد ما تكون عن نهايتها… قصة إمام أوغلو تحوّلت من تجربة بلدية إلى ساحة صراع سياسي مفتوح.
اقرا ايضا: جامع السلطان أحمد .. تاريخ ومعمار



