Site icon ترك ميديا

السلطان عبد الحميد الثاني .. آخر السلاطين العثمانيين العظام

السلطان عبد الحميد الثاني

السلطان عبد الحميد الثاني

في نهاية القرن التاسع عشر، حين كانت الإمبراطورية العثمانية تتعرض لأعنف التحديات السياسية والعسكرية، برز على العرش رجل جمع بين الذكاء السياسي والصرامة في الحكم، وبين المحافظة على التقاليد ومحاولات التحديث.

إنه السلطان عبد الحميد الثاني (1842–1918)، الذي يعد آخر السلاطين الأقوياء في تاريخ الدولة العثمانية، ورمزا لمرحلة شديدة الحساسية من تاريخ الشرق الإسلامي.

نشأة السلطان عبد الحميد الثاني

ولد السلطان عبد الحميد الثاني في 21 سبتمبر 1842 في قصر “تشنغله كوي” بإسطنبول، وهو ابن السلطان عبد المجيد الأول، وأمه السلطانة تيرمزكان قادن أفندي.

تلقى عبد الحميد تعليمه في القصر، فدرس اللغات العربية والفارسية والفرنسية، واطلع على العلوم الحديثة والفكر الأوروبي في زمن كانت فيه الدولة تحاول اللحاق بركب التقدم الغربي.

تميز عبد الحميد منذ شبابه بالذكاء الحاد، والاهتمام بالفنون، خاصة الموسيقى والخط العربي، كما كان قارئا نهما للتاريخ، وهو ما جعله يدرك مبكرا حجم التحديات التي تواجه الدولة العثمانية.

اقرا ايضا: السلطان مراد الثاني .. حامي الدولة العثمانية ومؤسس الاستقرار

السلطان عبد الحميد الثاني وتولي العشر

بعد وفاة السلطان عبد العزيز ثم خلع مراد الخامس، تولى عبد الحميد الثاني العرش في 31 أغسطس 1876 في مرحلة كانت الدولة العثمانية فيها على وشك الانهيار.

كانت الخزينة مفلسة، والجيش يعاني من الهزائم، والأقاليم البعيدة تشتعل بالثورات.

في بداية حكمه، أعلن السلطان الدستور العثماني الأول (المشروطية الأولى) عام 1876، وهو أول دستور في تاريخ الدولة، سعيا لطمأنة القوى الأوروبية والشعوب داخل الإمبراطورية.

لكنه سرعان ما عطّل العمل به بعد عامين، عقب حرب 1877 – 1878 مع روسيا التي انتهت بهزيمة ثقيلة وفقدان مناطق واسعة من البلقان.

السلطان عبد الحميد والسياسة الأوروبية

واجه عبد الحميد الثاني واقعا دوليا معقدا؛ فالدول الأوروبية الكبرى – بريطانيا وفرنسا وروسيا – كانت تتنافس على اقتسام “الرجل المريض”، وهو اللقب الذي أُطلق على الدولة العثمانية آنذاك.

أدرك السلطان أن المواجهة العسكرية المباشرة مع أوروبا مستحيلة، فاتجه إلى السياسة الدبلوماسية الذكية، محاولا اللعب على التناقضات بين القوى العظمى.

فكان يحافظ على توازن دقيق بين ألمانيا وبريطانيا وروسيا، مستفيدًا من تحالفه مع ألمانيا القيصرية بقيادة القيصر فيلهلم الثاني، الذي دعمه في مشروعات اقتصادية كبرى مثل خط سكة حديد برلين – بغداد.

مشروع الجامعة الإسلامية

يعد من أبرز إنجازات السلطان عبد الحميد الثاني مشروعه الفكري والسياسي المعروف بـ الجامعة الإسلامية (Pan-Islamism)، الذي هدف إلى توحيد المسلمين تحت راية الخلافة العثمانية لمواجهة الاستعمار الأوروبي المتزايد في العالم الإسلامي.

رفع السلطان شعار “الجامعة الإسلامية” في كل أنحاء الإمبراطورية، ووجه رسائل إلى زعماء المسلمين في آسيا وإفريقيا، مؤكدا أنه “خليفة جميع المسلمين”.

وقد لاقى هذا المشروع صدى واسعا في الهند ومصر والمغرب العربي، حيث نظر إليه المسلمون كرمز لوحدتهم الروحية والسياسية.

كما دعم السلطان بناء المدارس الإسلامية والمساجد في مختلف الولايات العثمانية، وأرسل المعلمين والأئمة إلى مناطق بعيدة، من البلقان إلى إفريقيا الوسطى، في محاولة للحفاظ على الهوية الإسلامية داخل الإمبراطورية.

الإصلاحات الداخلية في عهد السلطان عبد الحميد الثاني

على الرغم من سمعته كحاكم استبدادي، فإن عهد عبد الحميد شهد نهضة عمرانية وتعليمية كبيرة.

فقد أنشأ مئات المدارس الحديثة، بما في ذلك مدارس المعلمين والحقوق والطب والهندسة، كما أسس جامعة إسطنبول الحديثة.

واهتم ببناء شبكة المواصلات والاتصالات، مثل السكك الحديدية العثمانية التي ربطت الأناضول بالعراق وسوريا والحجاز.

وكان مشروع سكة حديد الحجاز من أهم مشاريعه، إذ ربط المدينة المنورة بدمشق، وسهل انتقال الحجاج والتجار، واعتبره السلطان رمزا للوحدة الإسلامية.

كما أنشأ مستشفيات ومصانع ومراكز بريد، واهتم بتحديث الإدارة والجيش، مما جعل الإمبراطورية تستعيد بعض قوتها المفقودة مؤقتا.

اقرا ايضا: السلطان سليمان القانوني .. قائد وحاكم صنع تاريخ الإمبراطورية العثمانية

موقف السلطان عبد الحميد الثاني من الصهيونية

من أبرز مواقف السلطان عبد الحميد التي خلدها التاريخ رفضه القاطع لمحاولات الحركة الصهيونية شراء أراضٍ في فلسطين لإقامة وطن قومي لليهود.

ففي عام 1897، عندما عرض عليه الزعيم الصهيوني ثيودور هرتزل تقديم دعم مالي ضخم لسداد ديون الدولة مقابل السماح بالهجرة اليهودية إلى فلسطين، رفض السلطان بشدة وقال عبارته الشهيرة:

“لن أبيع ولو شبرا واحدا من أرض فلسطين، فهي ليست ملكي بل ملك الأمة الإسلامية، وقد روتها بدمائها.”

هذا الموقف جعله محبوبا لدى الشعوب الإسلامية والعربية، واعتبر من أوائل من تنبهوا إلى خطورة المشروع الصهيوني في المنطقة.

الاتهامات بالاستبداد

رغم إنجازاته، فإن حكم عبد الحميد لم يخل من الجدل. فقد اتهم باتباع سياسة استبدادية صارمة، حيث ركز السلطات في يده، واعتمد على جهاز مخابرات واسع لمراقبة المعارضين.

كما واجه انتقادات من المثقفين والضباط الأتراك الذين شكلوا فيما بعد حركة الاتحاد والترقي، واعتبروا حكمه عائقا أمام التحديث والديمقراطية.

وفي عام 1908، وبعد ضغوط متزايدة من هذه الحركة، أُجبر السلطان على إعادة العمل بالدستور العثماني، فيما عُرف بـ المشروطية الثانية.

لكن لم يمضِ وقت طويل حتى اندلعت ثورة 1909، حيث اتهمته جمعية الاتحاد والترقي بالضلوع في تمرد عسكري في إسطنبول، فقررت عزله عن العرش في 27 أبريل 1909، ونفي إلى قصر في مدينة سالونيك، ثم نقل لاحقا إلى قصر بيلربيه في إسطنبول حيث قضى بقية حياته حتى وفاته عام 1918.

وفاة السلطان عبد الحميد الثاني

قضى السلطان عبد الحميد الثاني تسع سنوات في عزلة شبه تامة، لكنه ظل يحظى باحترام كثير من الأتراك والمسلمين الذين اعتبروه ضحية مؤامرة سياسية.

توفي في 10 فبراير 1918 عن عمر ناهز 76 عاما، ودُفن في مقبرة يحيى أفندي بإسطنبول، تاركا وراءه إرثا مثيرا للجدل بين من يراه حاميا للإسلام، ومن يراه حاكما مستبدا حاول مقاومة التغيير بالقوة.

تقييم السلطان عبد الحميد الثاني

بعد مرور أكثر من قرن على وفاته، لا يزال السلطان عبد الحميد الثاني شخصية محورية في الذاكرة التاريخية التركية والعربية.

فأنصاره يرونه آخر السلاطين العظام الذي حافظ على وحدة الدولة العثمانية بذكاء وحكمة رغم الضغوط الهائلة، بينما يرى منتقدوه أنه أوقف مسار الإصلاحات الديمقراطية وأدخل الدولة في عزلة سياسية.

لكن ما لا يختلف عليه المؤرخون هو أن عبد الحميد الثاني امتلك رؤية سياسية بعيدة المدى، فقد أدرك مبكرا أن سقوط الخلافة يعني ضياع الهوية الإسلامية، وأن التبعية للغرب ليست طريقًا للنهضة.

إرث السلطان عبد الحميد الثاني

في تركيا المعاصرة، عاد الاهتمام بشخصية السلطان عبد الحميد في السنوات الأخيرة، حيث ينظر إليه اليوم من قبل كثيرين كرمز للسيادة الوطنية والاستقلال عن القوى الغربية.

وقد أنتجت الدراما التركية سلسلة شهيرة بعنوان “السلطان عبد الحميد” (Payitaht Abdülhamid)، جسدت سيرته وإنجازاته، وأسهمت في إعادة إحياء صورته في الوعي الشعبي.

كما استخدم اسمه في تسمية مدارس وجسور ومشروعات، مثل سفينة “عبد الحميد خان” للتنقيب عن الغاز الطبيعي، تخليدًا لاسمه وإرثه في النهضة الوطنية الحديثة.

في الختام

يبقى السلطان عبد الحميد الثاني شخصية استثنائية في التاريخ العثماني والعالمي، لأنه وقف على حافة قرنين متناقضين: قرن الإمبراطوريات وقرن القوميات الحديثة.

حاول أن يحافظ على تماسك الدولة العثمانية وسط عاصفة التغيير العالمي، فنجح أحيانا وفشل أحيانا أخرى، لكنه ترك بصمة لا تمحى في التاريخ.

لقد كان السلطان عبد الحميد رجل دولة من طراز نادر، جمع بين الإيمان العميق والفكر السياسي الحاد، وبين الإصلاح والتشبث بالمبادئ.

ومع مرور الزمن، يزداد الاعتراف بأنه كان آخر من حاول إنقاذ الدولة العثمانية بروحها الإسلامية الجامعة، قبل أن تدخل مرحلة الانهيار النهائي بعد عقدٍ واحد من عزله.

اقرا ايضا: بيعة السلطان عبد الحميد الثاني ومسألة الدستور

الأسئلة الشائعة

من هو السلطان عبد الحميد الثاني؟

السلطان عبد الحميد الثاني هو السلطان الرابع والثلاثون من سلاطين الدولة العثمانية، تولى الحكم عام 1876م، ويُعد من أبرز وأقوى سلاطين الدولة في أواخر عهدها.

كيف كانت نهاية السلطان عبد الحميد الثاني؟

انتهى حكم السلطان عبد الحميد الثاني عام 1909 بعد انقلاب “جمعية الاتحاد والترقي” عليه، حيث أُجبر على التنازل عن العرش ونفي إلى مدينة سلانيك، ثم عاد لاحقا إلى إسطنبول ليقضي بقية حياته في قصر “بيلرباي”، إلى أن توفي في عام 1918.

من هو الباشا الذي خان السلطان عبد الحميد الثاني؟

يعتبر “محمود شوكت باشا” من أبرز الشخصيات التي شاركت في الانقلاب على السلطان عبد الحميد الثاني، وكان أحد القيادات العسكرية التابعة لجمعية الاتحاد والترقي التي خططت لإزاحته عن الحكم.

Exit mobile version