تورغوت أوزال
يعتبر تورغوت أوزال واحدا من أكثر الشخصيات تأثيرا في تاريخ الجمهورية التركية خلال القرن العشرين، فهو الرجل الذي نقل البلاد من اقتصاد مغلق خاضع لسيطرة الدولة إلى اقتصاد حر منفتح على العالم، وأرسى الأسس الأولى لتركيا الحديثة التي نعرفها اليوم.
بين رئاسة الوزراء ورئاسة الجمهورية، وبين الانفتاح الاقتصادي والسياسة المتوازنة، شكل أوزال علامة فارقة في تاريخ تركيا السياسي والاقتصادي.
نشأة تورغوت أوزال
ولد تورغوت أوزال في 13 أكتوبر/تشرين الأول 1927 في مدينة ملاطية بشرق الأناضول.
نشأ في أسرة متوسطة الحال، وكان والده موظفا في السلك القضائي.
تلقى تعليمه الابتدائي والثانوي في عدة مدن تركية بسبب طبيعة عمل والده، ثم التحق بكلية الهندسة الكهربائية في جامعة إسطنبول التقنية، وتخرج منها عام 1950 مهندسًا كهربائيا بارعا.
بعد تخرجه، بدأ أوزال مسيرته المهنية في مؤسسات الدولة، حيث عمل في “هيئة الكهرباء التركية” ثم في مشاريع التنمية الوطنية، قبل أن يسافر إلى الولايات المتحدة الأمريكية في الخمسينيات للتخصص في هندسة أنظمة الطاقة والإدارة الاقتصادية، وهي التجربة التي كان لها تأثير بالغ في تشكيل رؤيته المستقبلية لتركيا.
هناك، انبهر بالنموذج الأمريكي القائم على اقتصاد السوق الحر والانفتاح على العالم، فحمل تلك الأفكار معه عند عودته إلى بلاده.
اقرا ايضا: الرئيس التركي رجب طيب أردوغان
بدايات تورغوت أوزال
خلال الستينيات والسبعينيات، تولى أوزال عددا من المناصب الإدارية العليا في مؤسسات الدولة التركية.
عمل في رئاسة التخطيط الحكومي وكان من أبرز المهندسين الذين أسهموا في إعداد “خطة التنمية الخمسية” التي اعتمدتها الحكومة عام 1963.
بفضل خبرته الاقتصادية العميقة، أصبح أوزال معروفا كخبير إصلاح اقتصادي. كما شارك في مشاريع دولية بالتعاون مع البنك الدولي، ما عزز مكانته كمستشار اقتصادي قادر على فهم العلاقة بين السياسات المحلية والاقتصاد العالمي.
لكن طموحه لم يكن تقنيا فقط؛ فقد أدرك أن الإصلاح الحقيقي لا يمكن أن يتحقق من داخل البيروقراطية فقط، بل يحتاج إلى تغيير سياسي شامل يسمح للقطاع الخاص بالنمو وللمجتمع المدني بالتطور.
الأزمة الاقتصادية وصعوده السياسي
شهدت تركيا في أواخر السبعينيات أزمة اقتصادية حادة تمثلت في التضخم المرتفع، ونقص العملة الأجنبية، وتراجع النمو.
في عام 1979، استدعي أوزال ليكون نائب وكيل وزارة المالية ومسؤولا عن تطبيق “برنامج الاستقرار الاقتصادي” المدعوم من صندوق النقد الدولي.
كان هدف البرنامج تحرير الأسعار، خفض الإنفاق الحكومي، وتحرير التجارة الخارجية. وعلى الرغم من صعوبة القرارات، فإنها شكلت بداية ما عرف لاحقا بـ التحول الليبرالي في الاقتصاد التركي.
بعد الانقلاب العسكري عام 1980 بقيادة كنعان إيفرين، عين تورغوت أوزال نائبًا لرئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية في حكومة بولنت أولوسو العسكرية.
وخلال هذه الفترة، أطلق سلسلة من الإصلاحات الجذرية التي غيرت وجه الاقتصاد التركي، مثل تحرير سعر الصرف، وتشجيع الصادرات، وتسهيل الاستثمارات الأجنبية.
لكن بعد عامين، قدم استقالته إثر خلاف مع المؤسسة العسكرية، وبدأ يفكر بجدية في تأسيس حزب سياسي مدني يعبّر عن رؤيته الاقتصادية والسياسية الجديدة.
تأسيس حزب الوطن الأم وصعوده إلى الحكم
في عام 1983، أسس أوزال حزب الوطن الأم (ANAP)، وهو حزب جمع بين الليبرالية الاقتصادية والمحافظة الاجتماعية، فنجح في جذب قاعدة جماهيرية واسعة من الطبقة الوسطى والتجار وأصحاب الأعمال الصغيرة.
وفي الانتخابات العامة التي جرت في نوفمبر/تشرين الثاني 1983، فاز حزبه بأغلبية ساحقة رغم الرقابة العسكرية المشددة، ليصبح تورغوت أوزال رئيس وزراء تركيا، ويبدأ حقبة جديدة من التحول الاقتصادي والسياسي.
الإصلاحات الاقتصادية الكبرى في عهد تورغوت أوزال
بوصفه رئيسا للوزراء، أطلق أوزال مشروعا طموحا لتحرير الاقتصاد التركي من قيود الدولة. اعتمد سياسات السوق الحر وشجع على الخصخصة وجذب رؤوس الأموال الأجنبية.
كما ألغى القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير، مما جعل تركيا تنفتح على الأسواق العالمية.
كان شعاره الشهير: “تركيا الجديدة: بلد الإنتاج والتصدير والانفتاح.”
أبرز انجازات تورغوت أوزال
- تحرير سعر صرف الليرة التركية وربطها بالأسواق العالمية.
- تشجيع الصادرات الصناعية عبر حوافز ضريبية وتمويلية.
- إنشاء بنوك خاصة وشركات استثمارية جديدة.
- تطوير البنية التحتية من طرق وسكك حديدية ومطارات.
- تحسين العلاقات مع أوروبا والولايات المتحدة لجذب الدعم المالي والتكنولوجي.
ونتيجة لهذه السياسات، شهدت تركيا نموا اقتصاديا غير مسبوق في منتصف الثمانينيات، حيث تحولت من اقتصاد يعتمد على الزراعة إلى اقتصاد صناعي وخدمي متنوع.
التحول الاجتماعي والسياسي
لم تقتصر إصلاحات أوزال على الاقتصاد فحسب، بل شملت المجتمع والسياسة أيضا.
سمح بقدر أكبر من حرية التعبير، وخفف من القيود المفروضة بعد الانقلاب العسكري، وسعى إلى دمج المحافظين والمتدينين في الحياة السياسية الرسمية بعد عقود من التهميش.
كان منفتحا أيضا على الهوية الإسلامية للبلاد، مع محافظته على مبادئ الدولة العلمانية.
لذا وصف بأنه “رجل التوازن”، إذ جمع بين قيم الغرب الاقتصادية وقيم الشرق الثقافية.
وفي عهده، شهدت تركيا بداية ظهور الطبقة المتوسطة المحافظة التي أصبحت لاحقا القاعدة الاجتماعية الأساسية للأحزاب ذات التوجه الإسلامي المعتدل مثل حزب العدالة والتنمية.
اقرا ايضا: عبد الله البطال .. الفارس العربي الذي حفظ مكانته الأتراك
السياسة الخارجية في عهد تورغوت أوزال
اتسمت سياسة أوزال الخارجية بالانفتاح والبراغماتية.
سعى إلى تعزيز العلاقات مع الغرب، ودعم بقوة الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، لكنه في الوقت ذاته أولى اهتماما خاصا بالعالم الإسلامي والعربي.
خلال حرب الخليج الأولى عام 1991، لعب دورا محوريا إلى جانب الولايات المتحدة، حيث سمح باستخدام القواعد التركية لدعم العمليات ضد العراق، لكنه حاول في الوقت نفسه الحفاظ على التوازن مع جيرانه العرب.
كما دعم الجمهوريات التركية المستقلة في آسيا الوسطى بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، مؤكدا على وحدة “العالم التركي” الممتد من الأناضول حتى آسيا.
وكان يقول في أحد خطاباته الشهيرة:
“تركيا ليست مجرد دولة على هامش أوروبا، بل هي جسر بين الشرق والغرب، بين الإسلام والحداثة.”
من رئاسة الوزراء إلى رئاسة الجمهورية
في عام 1989، انتخب تورغوت أوزال رئيسا للجمهورية التركية، ليصبح أول رئيس مدني بعد سلسلة من الرؤساء العسكريين.
واصل خلال فترة رئاسته الدفع باتجاه الإصلاح الاقتصادي والانفتاح السياسي، وسعى إلى تعزيز الديمقراطية وتخفيف دور الجيش في الحياة السياسية.
واجه تحديات كبيرة، منها تصاعد الصراع مع حزب العمال الكردستاني (PKK)، والأزمات الاقتصادية المتقطعة، لكنه ظل متمسكا برؤيته التي تقوم على “التنمية أولا، والحرية ثانيا”.
خلال رئاسته، دعا إلى حل سلمي للقضية الكردية، وكان أول رئيس تركي يتحدث علنا عن “الهوية الكردية” وضرورة الاعتراف بحقوق المواطنين الأكراد ضمن إطار الدولة الواحدة.
وفاة تورغوت أوزال
في 17 أبريل/نيسان 1993، توفي تورغوت أوزال فجأة إثر أزمة قلبية عن عمر ناهز 65 عاما.
كانت وفاته المفاجئة صادمة للبلاد، ورافقتها شكوك حول احتمال تعرضه للتسمم، خصوصا بعد أن كان يستعد لزيارة رسمية إلى آسيا الوسطى.
وفي عام 2012، أعيد فتح التحقيق في وفاته، وأُجريت عملية نبش لجثمانه، حيث وجدت آثار لمواد سامة، لكن لم يثبت تورط أي جهة بشكل قاطع.
دفن أوزال في ضريح ضخم في إسطنبول، وشهدت جنازته حضورا جماهيريا واسعا، إذ ودعه ملايين الأتراك باعتباره “أب النهضة الاقتصادية”.
اقرا ايضا: السلطان مراد الثاني .. حامي الدولة العثمانية ومؤسس الاستقرار

