سليمان ديميريل
يعد سليمان ديميريل واحدا من أكثر الشخصيات تأثيرا في التاريخ السياسي التركي الحديث، إذ ترك بصمة لا تمحى على الحياة السياسية والاقتصادية للبلاد.
من مهندس شاب صعد من أوساط الفلاحين إلى رئاسة الجمهورية التركية، إلى زعيم سياسي واجه الانقلابات العسكرية وصمد أمام الأزمات، كان ديميريل شاهدا على تحولات تركيا الكبرى منذ خمسينيات القرن العشرين حتى مطلع الألفية الجديدة.
نشأة سليمان ديميريل
ولد سليمان ديميريل عام 1924 في قرية “إسلام كوي” التابعة لمدينة إسبارطة جنوب غربي تركيا.
نشأ في بيئة ريفية بسيطة، وكان الابن الأكبر لعائلة مزارعين.
أظهر منذ صغره شغفا بالتعليم وبالعلوم التطبيقية، وهو ما دفعه للالتحاق بكلية الهندسة في جامعة إسطنبول التقنية، حيث تخرج مهندسا مدنيا عام 1949، ليدخل بعدها مباشرة إلى عالم المشاريع الوطنية الكبرى في قطاع المياه والطاقة.
عمل ديميريل في “هيئة الكهرباء التركية” ثم في “إدارة مشاريع السدود”، وسرعان ما لمع اسمه كمهندس ناجح بفضل مشاركته في تنفيذ مشاريع ضخمة، مثل سد كيباست ومشروع الري في الأناضول الغربي، وهو ما أكسبه سمعة وطنية جعلت أبواب السياسة تفتح أمامه لاحقا.
اقرا ايضا: السلطان سليم الأول .. القائد الذي غير تاريخ الإمبراطورية العثمانية
دخول سليمان ديميريل عالم السياسة
كانت خمسينيات القرن الماضي فترة تحولات كبرى في تركيا، خاصة مع سيطرة الحزب الديمقراطي بزعامة عدنان مندريس.
في تلك المرحلة، بدأ ديميريل بالاقتراب من الحياة السياسية، إذ عمل مستشارا فنيا في مشاريع حكومية، وشارك في الوفود التقنية إلى الولايات المتحدة، ما سمح له باكتساب معرفة عميقة بالعلاقات الدولية وبأهمية التنمية في بناء الدولة الحديثة.
لكن التحول الحقيقي في مسيرته جاء بعد انقلاب عام 1960 الذي أطاح بحكومة مندريس.
بعد سنوات قليلة، وتحديدا عام 1962، انضم ديميريل إلى الحزب العدالتي الذي تأسس ليكون وريثا للحزب الديمقراطي المنحل، وتم انتخابه نائبا في البرلمان التركي عن دائرة إسبارطة.
صعود سليمان ديميريل إلى رئاسة الوزراء
بفضل ذكائه السياسي وحنكته الإدارية، صعد ديميريل بسرعة الصاروخ داخل الحزب، حتى انتخب زعيما له عام 1964.
وبعد عام واحد فقط، وفي انتخابات 1965، قاد حزبه إلى فوز كاسح مكنه من تشكيل الحكومة وتولي منصب رئيس الوزراء وهو في عمر الأربعين فقط، ليصبح أحد أصغر من تولى المنصب في تاريخ الجمهورية.
رفع ديميريل شعار “الطرق، الكهرباء، المياه” وجعل من البنية التحتية والتنمية الريفية محور برنامجه الحكومي.
شهدت تركيا في عهده طفرة في إنشاء السدود وشبكات الطرق والمصانع، كما توسع الاقتصاد الوطني بدعم من الاستثمارات الزراعية والصناعية.
غير أن هذه الفترة المشرقة لم تدم طويلا، إذ واجهت حكومته احتجاجات طلابية وأزمات سياسية واقتصادية متصاعدة في نهاية الستينيات.
الانقلاب العسكري الأول في عهد سليمان ديميريل
في عام 1971، تدخل الجيش التركي عبر ما عرف بـ“مذكرة 12 مارس” التي أجبرت ديميريل على الاستقالة.
ومع ذلك، لم يقصه هذا الحدث عن الساحة السياسية، إذ احتفظ بقيادته للحزب وواصل لعب دور رئيسي في الحياة العامة خلال عقد السبعينيات المضطرب.
سنوات الاضطرابات والعودة إلى الحكم
عاد ديميريل إلى رئاسة الوزراء عام 1975 ضمن ائتلاف سياسي عرف باسم “الجبهة الوطنية”، ضم أحزاب اليمين والمحافظين.
سعى خلال تلك الفترة إلى إعادة الاستقرار، لكن البلاد كانت تغرق في صراعات سياسية بين اليمين واليسار، وأعمال عنف متصاعدة، وأزمة اقتصادية خانقة.
رغم جهوده في جذب الاستثمارات وتحسين العلاقات مع الغرب، لم ينجح في كبح الفوضى الداخلية.
وفي عام 1980، وقع الانقلاب العسكري الثالث في تاريخ تركيا الحديث بقيادة الجنرال كنعان إيفرين، فتم حظر الأحزاب السياسية كافة، بما فيها حزب ديميريل، ووُضع هو نفسه قيد الإقامة الجبرية لعدة سنوات، مُبعدًا عن الساحة العامة.
العودة بعد الانقلاب وتأسيس حزب الطريق القويم
بعد انفتاح الحياة السياسية تدريجيا في منتصف الثمانينيات، عاد ديميريل إلى المسرح السياسي مؤسسا حزب الطريق القويم (DYP) عام 1983، الذي سرعان ما جذب جماهير المحافظين والليبراليين الذين رأوا فيه استمرارا لخط الحزب الديمقراطي التاريخي.
وفي انتخابات عام 1991، حقق حزبه فوزا مهما، فعاد ديميريل إلى رئاسة الوزراء مجددا بعد غياب دام 12 عاما، ليقود حكومة ائتلافية مع حزب الشعب الاجتماعي الديمقراطي.
خلال تلك الفترة، ركز على استقرار الاقتصاد، وإعادة هيكلة المؤسسات، وتحسين علاقات تركيا مع الغرب والعالم العربي على حد سواء.
اقرا ايضا: السلطان مراد الثاني .. حامي الدولة العثمانية ومؤسس الاستقرار
من رئاسة الوزراء إلى رئاسة الجمهورية
في عام 1993، توفي الرئيس تورغوت أوزال بشكل مفاجئ، فاختاره البرلمان التركي ليكون تاسع رئيس للجمهورية التركية.
دخل ديميريل القصر الرئاسي في مرحلة كانت تركيا تمر فيها بتحديات كبرى: تصاعد الصراع مع حزب العمال الكردستاني (PKK)، وأزمات اقتصادية متكررة، إضافة إلى انقسامات سياسية داخلية حادة.
كرئيس، اتسمت سياسته بالاعتدال والبراغماتية، وسعى إلى الحفاظ على التوازن بين المؤسسة العسكرية والحكومة المنتخبة، خصوصا خلال الأزمة التي وقعت عام 1997 حين ضغط الجيش على الحكومة الإسلامية بقيادة نجم الدين أربكان للاستقالة، فيما عرف بـ“انقلاب ما بعد الحداثة”.
كان ديميريل في حينها يسعى لتجنب تدخل دموي، مفضلًا الحلول الدستورية والهادئة.
أفكار سليمان ديميريل السياسية
يعد ديميريل نموذجا لزعيم اليمين المعتدل في تركيا. آمن بأهمية التنمية الاقتصادية بوصفها أساس الاستقرار السياسي والاجتماعي، وكان يرى أن تحديث البنية التحتية والتعليم والطاقة هو الطريق لبناء دولة قوية.
في الوقت ذاته، تمسك بالقيم الجمهورية والعلمانية التي أرساها أتاتورك، دون أن يعادي الدين أو المحافظين، بل سعى دائمًا لتحقيق التوازن بين الهوية الإسلامية والتوجه الغربي لتركيا.
كان يقول دائما: “الديمقراطية مثل القطار، نصعد إليه جميعا، لكن لا أحد يلقى من القطار”. وهي عبارة تعكس إيمانه بضرورة إشراك الجميع في العملية السياسية، حتى مع اختلاف التوجهات.
دور سليمان ديميريل في السياسة الخارجية
في المجال الخارجي، عمل ديميريل على تعزيز العلاقات مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، مؤمنا بأن تركيا يجب أن تكون جسرا بين الشرق والغرب.
في التسعينيات، ساهم في دعم الجمهوريات التركية الناشئة في آسيا الوسطى بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، واعتبر أن “القرن الحادي والعشرين سيكون قرن الشعوب التركية”.
كما دعم بقوة التعاون الإقليمي مع دول الشرق الأوسط، خاصة العراق وسوريا، رغم التوترات المائية بسبب مشروع “جنوب شرق الأناضول” الذي تضمن بناء عدد كبير من السدود على نهري دجلة والفرات.
وفاة سليمان ديميريل
أنهى ديميريل ولايته الرئاسية عام 2000 بعد أكثر من خمسة عقود في العمل العام، ليعتزل الحياة السياسية تاركا وراءه إرثا ضخما من الإنجازات والجدل في الوقت ذاته.
توفي في 17 يونيو/حزيران 2015 عن عمر ناهز 90 عامًا، ودُفن في مسقط رأسه بمدينة إسبارطة وسط حضور رسمي وشعبي واسع.
في الختام
لقد شكل سليمان ديميريل حلقة وصل بين تركيا الجمهورية الكمالية وتركيا الحديثة المتجهة نحو العولمة.
ترك إرثا معقدًا، يجمع بين النجاح الاقتصادي والسياسي وبين الانتقادات المتعلقة بالأزمات والتنازلات.
لكنه بلا شك، كان رجل الدولة الذي جسّد مقولة شهيرة له: “السياسة فن الممكن، والمستقبل يُبنى بالحكمة والصبر.”
اقرا ايضا: عبد الله البطال .. الفارس العربي الذي حفظ مكانته الأتراك

