أخبار تركيا

تركيا وغزة .. قراءة في الدور السياسي والإنساني خلال الحرب الأخيرة

دور تركيا في حرب غزة

شكلت حرب غزة الممتدة بين 2024 و2025 واحدة من أكثر النزاعات تعقيدا في المنطقة منذ سنوات، وأثرت بشكل كبير على السياسات الداخلية والإقليمية للدول المحيطة.

وسط هذا النزاع، برزت تركيا كلاعب مهم، ليس فقط في الخطاب السياسي والدبلوماسي، بل في جهود الوساطة، الدعم الإنساني، ومحاولة لعب دور في وقف إطلاق النار وتحقيق الاستقرار.

دور تركيا لم يخلُ من التحديات والعقبات، سواء في علاقاتها مع إسرائيل، أو في تنسيق التحركات الدولية، أو في تداعيات الموقف على مكانتها الإقليمية.

تركيا في قلب المساعي الدبلوماسية لوقف النزاع في غزة

سعت تركيا منذ وقت مبكر إلى المشاركة في جهود وقف إطلاق النار في غزة، حيث أكد وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، أن أنقرة كانت “في قلب المساعي الدولية لوقف نزيف الدم في غزة” خلال عام 2025، ووضعت ذلك كأولوية في السياسة الخارجية التركية.

كما شاركت تركيا في المشاورات الدولية الخاصة بإدارة القوة الدولية المقترحة في غزة ضمن اتفاق وقف إطلاق النار، وذلك بالتنسيق مع مصر وعدد من الدول المعنية.

وتركزت هذه المشاورات على توضيح طبيعة المهام الموكلة للقوة، وضمان تثبيت وقف إطلاق النار، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية بشكل آمن ومنتظم.

وفي إطار اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيّز التنفيذ في أكتوبر/تشرين الأول 2025، طرحت خطة سلام دولية برعاية الولايات المتحدة تتضمن نشر قوة استقرار دولية والإشراف على إعادة إعمار قطاع غزة.

وكانت تركيا من أوائل الدول التي أعربت عن استعدادها للمشاركة في هذه القوة، رغم التحفظات الإسرائيلية بشأن أي وجود عسكري تركي مباشر داخل القطاع.

اقرا ايضا: معاهدة لوزان .. الوثيقة التي أعادت ولادة الدولة التركية الحديثة

الوساطة التركية في غزة

عملت تركيا على استثمار علاقاتها مع حركة حماس لصياغة مواقف دبلوماسية تؤثر في مسار المفاوضات.

ووفقاً لتقرير دولي، أسهمت أنقرة في تشجيع قيادة حركة حماس على قبول “اتفاق ترامب للسلام في غزة” الذي أعلن عنه في نهاية سبتمبر/أيلول 2025، وهو ما منح تركيا هامشا أوسع من النفوذ الدبلوماسي داخل الملف الفلسطيني، وجعل دورها أكثر حضوراً في مسار التسوية.

وفي إسطنبول أيضاً، عقد رئيس جهاز الاستخبارات التركية اجتماعاً مع وفد من حركة حماس لبحث آليات تنفيذ وقف إطلاق النار، في خطوة تعكس انخراط أنقرة في قنوات التفاوض غير المباشرة، وتعزز صورتها بوصفها طرفا مؤثرا في الجهود الرامية إلى تثبيت الاستقرار وإدارة المرحلة التي أعقبت الاتفاق.

الجانب الإنساني والمساعدات التركية لغزة

من جانب آخر، لم تقتصر مساهمات تركيا على الحوار السياسي فقط، بل شملت أيضا جهودا إنسانية.

فقد أعلن الرئيس التركي عن فتح مكتب لوكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا” في تركيا، ما يعزز دور أنقرة في تقديم المساعدات وتنسيق جهود الدعم الإنساني للمتضررين من الحرب.

هذا التوجه يتسق مع خطاب الرئيس رجب طيب أردوغان الذي شدد على أن غزة “بحاجة للشفاء وإعادة الإعمار”، وأن تركيا تبذل جهودا لضمان أن يسهم اتفاق وقف النار في المضي نحو سلام دائم.

العلاقات التركية–الإسرائيلية

على الرغم من هذه الجهود، يشهد العلاقة بين تركيا وإسرائيل توترا واضحا.

فقد جددت الحكومة الإسرائيلية رفضها لأي وجود أمني تركي في قطاع غزة في سياق القوة الدولية، معتبرة ذلك أمنا حساسا لا يمكن قبوله، وهو ما تسبب في توتر دبلوماسي بين أنقرة وتل أبيب.

الخلاف يعكس في جزء منه التصريحات المتشددة لبعض المسؤولين الأتراك تجاه إسرائيل خلال الحرب، ما زاد من فجوة الثقة بين الطرفين وأحد عوامل صعوبة الدور التركي العسكري المباشر في غزة.

ردود الفعل الدولية والإقليمية

موقف تركيا من الحرب حظي بتقدير من جانب السلطة الفلسطينية والفصائل الفلسطينية، حيث أثنى السفير الفلسطيني لدى أنقرة على دور أنقرة في إنهاء الحرب والمساهمة في جهود إعادة الإعمار.

كما تبرز تحليلات أن دور تركيا في الأزمة يتوازى مع دورها في دعم حل الدولتين والتأكيد على أن المسألة الفلسطينية تتطلب حلا شاملا، وأن وقف إطلاق النار وحده لا يكفي لتحقيق السلام طويل الأمد.

هذا الموقف التركي يتقاطع مع جهود دول عربية وإقليمية، ومن بينها مصر، التي عقدت اجتماعات مشتركة مع تركيا لتنسيق مهام القوة الدولية ومسارات تنفيذ وقف إطلاق النار.

التحديات أمام الدور التركي في غزة

ورغم الحضور التركي في مسار التهدئة، فإن هناك جملة من القيود الواقعية التي حدت من فاعلية الدور التركي خلال الحرب.

إذ تشير تحليلات عدة إلى أن أنقرة واجهت صعوبات في التأثير المباشر على مجريات العدوان الإسرائيلي، سواء بفعل محدودية أدوات الضغط المتاحة لها، أو تحت تأثير الحسابات الدولية المعقدة التي فرضت على تركيا هامشا ضيقا للحركة.

كما أن عدم إقدامها على قطع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل ــ خلافا لما قامت به بعض الدول العربية في مراحل سابقة من النزاع ــ كان من بين العوامل التي فُسّرت بأنها قلّصت قدرتها على لعب دور أكثر تشدداً.

إلى جانب ذلك، يواجه تنفيذ خطة السلام الدولية تحديات بارزة تتعلق بافتراضات المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار، ولا سيما ما يرتبط بملف نزع سلاح حركة حماس وتأسيس سلطة فلسطينية موحدة وقادرة على إدارة القطاع.

هذه القضايا تعد من أكثر نقاط الخلاف حساسية بين القوى الدولية، وتنعكس بدورها على طبيعة وحجم مشاركة تركيا داخل الأطر الأمنية المقترحة، إذ ترتبط مشاركة أنقرة بمدى توافق الأطراف المعنية على هيكلية الحكم ومتطلبات الاستقرار في غزة خلال المرحلة المقبلة.

في الختام

يمكن القول إن دور تركيا في حرب غزة 2024–2025 كان متعدد الأبعاد: دبلوماسيا عبر الوساطة والمفاوضات، إنسانيا عبر دعم اللاجئين والمساعدات، وسياسيا عبر التصريحات المتشددة ضد العمليات الإسرائيلية وتأكيد دعم حل الدولتين.

كما سعت تركيا لتوسيع نفوذها الإقليمي والتأكيد على مكانتها كلاعب مهم في المفاوضات الدولية.

ورغم التحديات الكبيرة والتوتر مع إسرائيل، بقيت تركيا في قلب الجهود التي تهدف إلى تثبيت وقف إطلاق النار وتسريع إعادة الإعمار، ما يعكس استمرار أنقرة في لعب دور بارز في الملف الفلسطيني ضمن سياقات الديناميكيات الإقليمية المعقدة.

اقرا ايضا: عروبة الجزيرة الفراتية قبل الإسلام

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى