مقالات

العلاقات التركية المصرية وتصحيح المفاهيم

العلاقات التركية المصرية وتصحيح المفاهيم

ترك ميديا

إسماعيل ياشا

حدَّد وزير الخارجية المصري سامح شكري، شروطا لعودة العلاقات التركية المصرية إلى طبيعتها، ودعا تركيا، في كلمته باجتماع لجنة العلاقات الخارجية بمجلس النواب المصري، إلى أن “تتسق أفعالها مع السياسات المصرية”، مضيفا أن ذلك من شأنه أن يشكِّل “أرضية مؤهلة للعلاقة الطبيعية”.

هناك اتهامات عدة يوجهها المؤيدون للانقلاب المصري إلى تركيا ورئيسها رجب طيب أردوغان، إلا أن معظمها مغالطات مبنية على قراءة خاطئة ومفاهيم مشوَّهة. ولعل أبرز تلك الاتهامات رعاية أردوغان لجماعة الإخوان المسلمين التي يعتبرها الانقلابيون تنظيما إرهابيا، وتدخل تركيا في شؤون الدول العربية، بالإضافة إلى استضافة المعارضين للنظام المصري. كما يُخيَّل لبعضهم أن تركيا مضطرة للمصالحة مع مصر مهما كان الثمن.

 

الأتراك عانوا كثيرا من الانقلابات العسكرية، وتصدوا بصدورهم العارية لآخر محاولة دموية للإطاحة بالحكومة المنتخبة بقوة السلاح وأفشلوها. وبالتالي، يعارضون مبدئيا قيام العسكر بالانقلاب على الديمقراطية والإرادة الشعبية

الأتراك عانوا كثيرا من الانقلابات العسكرية، وتصدوا بصدورهم العارية لآخر محاولة دموية للإطاحة بالحكومة المنتخبة بقوة السلاح وأفشلوها. وبالتالي، يعارضون مبدئيا قيام العسكر بالانقلاب على الديمقراطية والإرادة الشعبية. وهذا ما دفع تركيا الشهر الماضي إلى التنديد بسعي الجيش في أرمينيا لإسقاط رئيس الوزراء نيكول باشينيان، كما جعلها قبل ذلك تقف إلى جانب الشعوب الثائرة ضد الدكتاتورية والطغيان بعد اندلاع شرارة الربيع العربي.

وفي الحالة المصرية، يمكن القول بأن موقف حزب العدالة والتنمية من الانقلاب على الرئيس المنتخب محمد مرسي – رحمه الله – كان أشد رفضا، نظرا لتعاطفه مع الإسلاميين المصريين، والروابط التاريخية بين البلدين والشعبين، بالإضافة إلى ما قام به الإنقلابيون من جرائم بشعة خلال فض الإعتصامات وما بعده، إلا أن اتهام أردوغان بالانتماء إلى الجماعة أو برعايتها لا يمت للحقيقة بصلة، علما أن الانتماء لهذه الجماعة المظلومة ليس جريمة.

حزب العدالة والتنمية لا يصف نفسه بــ”الإسلامي”، بل بــ”الديمقراطي المحافظ” الذي يسير على خط عدنان مندريس وتورغوت أوزال، وليس جناحا سياسيا لجماعة دينية ودعوية، بل حزبا سياسيا مستقلا منفتحا على كافة الجماعات ومكونات المجتمع التركي، ويقف على مسافة واحدة منها. كما أن تركيا تبني علاقاتها مع الدول والحكومات، لا الجماعات والأحزاب والفصائل، وليس من سياستها خلق أذرع ووكلاء في الدول الأخرى.

من المستغرب أن هؤلاء الذين يستنكرون تواجد تركيا العسكري بجوار حدودها، لا ينبسون ببنت شفة ضد تواجد دول أخرى جاءت إلى المنطقة من بعد آلاف الكيلومترات

اتهام تركيا بالتدخل في شؤون الدول العربية اتهام باطل لا أصل له؛ لأن التواجد التركي في كل من سوريا والعراق يأتي في إطار الاتفاقيات الثنائية والقونين الدولية من أجل مكافحة الإرهاب وحماية أمن البلاد. ومن المستغرب أن هؤلاء الذين يستنكرون تواجد تركيا العسكري بجوار حدودها، لا ينبسون ببنت شفة ضد تواجد دول أخرى جاءت إلى المنطقة من بعد آلاف الكيلومترات. وأما التواجد التركي في كل من ليبيا وقطر والصومال فهو بدعوة من حكوماتها ضمن التعاون العسكري والمصالح المشتركة. ولذلك رفض التواجد التركي في هذه الدول هو ذاته تدخل سافر في شؤونها، وعدم الاحترام لسيادتها.

تركيا وقفت في ليبيا إلى جانب حكومتها الشرعية المعترف بها دوليا، بل مصر هي التي تدخلت في شؤون ليبيا، ودعمت الجنرال المتقاعد الانقلابي خليفة حفتر ومرتزقته ضد الشعب الليبي وقوات الحكومة الشرعية. كما دعمت أنقرة المباحثات التي أجرتها الأطراف الليبية للتوصل إلى اتفاق يحمي وحدة ليبيا ودماء أبنائها، ورحبت بتشكيل حكومة الوحدة الوطنية. وها هو عبد الحميد الدبيبة، رئيس هذه الحكومة التي يعترف الجميع بشرعيتها، يصف العلاقات التركية الليبية بــ”المتميزة”، مشددا على أن “حكومته ستدعم الشراكة الاقتصادية مع أنقرة، وستلتزم بالاتفاقية البحرية الموقعة بين البلدين”.

الأتراك عموما، بمن فيهم المعارضون للحكومة التركية وحتى الإسلاميين الغاضبين على النظام المصري بسبب الانقلاب العسكري وما صاحبه من ظلم وجرائم، يريدون عودة العلاقات التركية المصرية إلى طبيعتها

لجوء المصريين الهاربين من بطش الانقلابيين إلى تركيا وقيامهم فيها بأنشطة إعلامية يزعج النظام المصري، إلا أن تركيا ليست الدولة الوحيدة التي تستضيف المصريين المعارضين. ومن المعلوم أن كبار المعارضين العرب يعيشون منذ سنين في الدول الغربية، مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وكندا، ولا يؤدي ذلك إلى تدهور علاقات القاهرة وحلفائها مع تلك الدول. كما أن هناك قادة وعناصر لتنظيم الكيان الموازي الإرهابي الذي قام بمحاولة الانقلاب العسكري الفاشلة في تركيا في 15 تموز/ يوليو 2016؛ هربوا إلى كثير من الدول بما فيها مصر، ولم تعتبر أنقرة ذلك عائقا أمام تحسين علاقاتها مع تلك الدول. وبالتالي، يمكن تحييد هذا الملف للعمل في المساحة الواسعة التي تشترك فيها مصالح البلدين، وليس من الوارد على الإطلاق أن تقوم تركيا بتسليم هؤلاء إلى مصر.

الأتراك عموما، بمن فيهم المعارضون للحكومة التركية وحتى الإسلاميين الغاضبين على النظام المصري بسبب الانقلاب العسكري وما صاحبه من ظلم وجرائم، يريدون عودة العلاقات التركية المصرية إلى طبيعتها، إلا أن ذلك لا يعني أبدا أن تركيا في وضع حرج ليس أمامها غير الاستسلام لكل شروط القاهرة. وإن كانت القاهرة راغبة في ترميم علاقاتها مع أنقرة، فعليها أن تتخلى عن ترديد الاتهامات المبنية على الأكاذيب والمغالطات.

اترك تعليقاً

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
كيف يمكنني مساعدتك؟