مقالات

بعد العداء الفرنسي.. خارطة طريق لتطبيع العلاقات مع تركيا؟

تعلم اللغة العربية بالتفاعل

بعد العداء الفرنسي.. خارطة طريق لتطبيع العلاقات مع تركيا؟

ترك ميديا

الكاتب: ماجد عزام

أعلن وزير الخارجية التركي مولود شاويش أوغلو الأسبوع الماضي عن اتفاقه مع نظيره الفرنسي جان إيف لودريان على خارطة طريق لتطبيع العلاقات بين البلدين، علماً أن فرنسا ذهبت بعيداً في عدائها لتركيا وأججت خلافاتها مع اليونان والاتحاد الأوروبي شرق المتوسط، كما سعت للإضرار بالمصالح الحيوية التركية في مناطق وساحات متعددة على تماس مباشر مع المحيط الجيوبوليتيكي لأنقرة.

كانت وكالة الأناضول للأنباء قد نقلت في أيلول/ سبتمبر الماضي، عن كويرت ديبيوف، مستشار رئيس الوزراء البلجيكي السابق والناطق باسمه، أن خارطة اليونان لرسم مناطق النفوذ شرق المتوسط ظالمة ومجحفة لتركيا صاحبة أطول السواحل في المنطقة والمحقة في الدفاع عن مصالحها وحقوقها، وأن الاتحاد الأوروبي سيضطر لتغيير موقفه المنحاز في النهاية نحو التزام معايير العدالة والقانون الدولي. وأشار المسؤول البلجيكي السابق إلى أن العداء والتحريض الفرنسي ضد تركيا ناجم أساساً عن دور هذه الأخيرة في هزيمة مشروع خليفة حفتر بليبيا، الذي راهنت عليه فرنسا من أجل السيطرة على قطاع النفط الليبي وإعادة نفوذها في المنطقة وأفريقيا بشكل عام.

ما قاله المسؤول البلجيكي صحيح تماماً كون خريطة إشبيلية (نسبة لأحد أساتذة جامعة إشبيلية بإسبانيا) التي تتبناها اليونان تحبس وتحاصر تركيا في حيّز جغرافي محدود بالمعنى الحقيقي للمصطلحات، رغم أنها صاحبة أطول شواطئ على المتوسط. وعلى سبيل المثال لا الحصر، تمكن الإشارة إلى جزيرة ميس اليونانية التي تبلغ مساحتها عشرة كيلومترات، وتبعد عن السواحل التركية كيلومترين فقط، وتطالب اليونان بجرف قاري لها يبلغ عشرات الآلاف من الكيلومترات. نفس الأمر ينطبق على جزيرة كريت، ورودس النائية بالمتوسط والتي تطالب أثينا بمناطق نفوذ بحري واسعة كجرف قاري لها.

 

فرنسا هي المحرّض الأساسي لليونان لتأجيج النزاع شرق المتوسط عوضاً عن تبنيها لهجة عدائية موتورة تجاه تركيا في ملفات عديدة في الشهور الأخيرة

الخريطة ظالمة، بل مجحفة، ورغم الطريقة المخادعة والمتعارضة مع روح القانون الدولي التي سيطرت بها اليونان على الجزر، فإن تركيا تطالب باعتماد العدالة والمواثيق الدولية وتحديداً قانون البحار (1982) الذي اعتمدته محكمة العدل الدولية في عدة حالات، بما فيها واحدة استفادت منها فرنسا مباشرة في نزاع مماثل مع بريطانيا حول مناطق النفوذ البحري.

إذن فرنسا هي المحرّض الأساسي لليونان لتأجيج النزاع شرق المتوسط عوضاً عن تبنيها لهجة عدائية موتورة تجاه تركيا في ملفات عديدة في الشهور الأخيرة، ويعود ذلك أساساً إلى هزيمة أداتها خليفة حفتر في ليبيا، كما قال محقاً المسؤول البلجيكي السابق، إضافة إلى رغبة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في سيطرة الشركات الفرنسية على سوق الغاز والنفط في المنطقة، وتحويل اليونان إلى سوق كبير لشركات السلاح الفرنسية، وبالتالي تحسين الوضع الاقتصادي المتردي خاصة مع استمرار التظاهرات الشعبية متعددة الدوافع ضده.

إلى ذلك تسعى فرنسا للخروج من حلف الناتو بعد الادعاء أنه ميّت سريرياً، وفي الحدّ الأدنى تبرير تشكيل قوة أوروبية ولو بحرية فقط لمواجهة تركيا بالمنطقة، في ظل استحالة استخدام الناتو ضدها، كون تركيا صاحبة ثاني أكبر جيش فيه بعد الولايات المتحدة، ومن الصعوبة بمكان الاستغناء عنها رغم سياساتها المستقلة الأخيرة في شرق المتوسط والقوقاز والمنطقة بشكل عام. وهنا لا بد من التذكير بالرواية الكاذبة (في حزيران/ يونيو الماضي) عن مضايقة سفن تركية لفرقاطة فرنسية في المتوسط، الرواية التي أثبت تحقيق داخلي للحلف زيفها، وأنها هدفت أساساً إلى شيطنة تركيا وتبرير تشكيل قوة فرنسية- أوروبية لمواجهتها.

بتفصيل أكثر، استفحل العداء الفرنسي لتركيا بعد إفشال هذه الأخيرة مشروع الجنرال خليفة حفتر في ليبيا التي كانت باريس الراعية الرئيسية له مع أبو ظبي، بل وأرسلت وحدات كوماندوز خاصة لمساعدته في معركة طرابلس (نيسان/ أبريل 2019) بعدما ظنت أنها ستدوم أياما أو أسابيع قليلة، وستؤدي إلى استنساخ نظام معمر القذافي الساقط عبر خليفة حفتر، وبالتالي فرض هيمنة فرنسية كاملة على قطاع النفط والطاقة، وفي السياق تحقيق انتصار سياسي وجيوبوليتيكي واقتصادي كبير لماكرون وحكومته.

استفحل العداء الفرنسي لتركيا بعد إفشال هذه الأخيرة مشروع الجنرال خليفة حفتر في ليبيا التي كانت باريس الراعية الرئيسية له مع أبو ظبي

تدخل تركيا قلب الطاولة وأفشل كل الخطط الفرنسية- الإماراتية، وأنهى إكلينيكياً مشروع حفتر، وكرّس قوة وحضور حكومة الوفاق الشرعية المعترف بها دولياً. ثم كانت الضربة القاصمة عبر التوقيع على اتفاق لترسيم الحدود البحرية مع ليبيا، ما أفشل المخططات الفرنسية شرق المتوسط، أيضاً وقتل فكرة هيمنة الشركات الفرنسية على سوق النفط والغاز فيها.

إذن أدت هزيمة حفتر إلى تآكل واضمحلال النفوذ الفرنسي عسكرياً وسياسياً، ومع صعوبة التدخل العسكري المباشر والفظّ، استنجدت أبو ظبي (حليفة باريس وعاصمة الثورة العربية المضادة) بروسيا من أجل التدخل وحماية حفتر وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من مشروعه، غير أن حضور روسيا العسكري قزّم الحضور الفرنسي بعدما باتت موسكو هي حامية الجنرال المتمرد لا باريس، وكان من الطبيعي أن تسعى للحصول على مكاسب اقتصادية ونفطية تحديداً عبر نشر مرتزقتها (للمفارقة تموّلهم الإمارات) في المواقع النفطية بحجة حراستها. وعموماً، بات حفتر أداة وتابعا لها تماماً، كما حصل مع بشار الأسد إثر استنجاد إيران بروسيا لحمايته (أيلول/ سبتمبر 2015) بعدما كان على وشك السقوط.

قبل الانتقال إلى ليبيا حاولت فرنسا التدخل في سوريا والعمل كذراع تنفيذي للسياسة الأمريكية، وتكريس نفوذها عبر دعم المشروع الانفصالي لتنظيم “بي كا كا” السوري، وبالتالي تحصيل مكاسب اقتصادية في المناطق الخاضعة لإدارة التنظيم والغنية بالنفط والغاز والحبوب، إلا أن التدخّل التركي وعبر ثلاث عمليات عسكرية في سوريا وجّه ضربة قاصمة للمشروع الانفصالي والنفوذ الفرنسي. وهنا أيضاً باتت تركيا قوة مركزية لا يمكن تجاوزها، لتعقد تفاهمات أو اتفاقيات مع روسيا وأمريكا، بينما تحوّلت فرنسا إلى لاعب ثانوي هامشي وصغير.

العداء الفرنسي لتركيا وصل إلى منطقة القوقاز عبر تحريض أرمينيا بالتنسيق مع الإمارات؛ لاستفزاز أذربيجان وتوريط تركيا واستنزافها في الصراع الأذري الأرمني وحتى الصدام مع روسيا في المنطقة، غير أن السحر انقلب على الساحر بعدما أكدت الحرب النفوذ التركي وانهيار مجموعة مينسك لحلّ الأزمة في إقليم قره باغ، والتي كانت فرنسا عضواً مشاركاً في رئاستها فيها مع أمريكا وروسيا، وبات الحل والتسوية بشكل عام رهن التفاهم والتنسيق التركي الروسي.

العداء، بل السعار الفرنسي تجاه تركيا وصل إلى حدّ دعوة البرلمان بمجلسيه (النواب والشيوخ) إلى الاعتراف رسمياً بجمهورية الانفصاليين الأرمن في قره باغ بعدما قضي الأمر ولم يعد لها وجود أصلاً، إثر اتفاق وقف إطلاق النار (الاستسلام حسب تعبير رئيس الوزراء الأرمني نيكول باشينيان)، وواقع ميداني مستجد يسمح لأذربيجان بحسم القضية عسكرياً وقتما شاءت في حالة مماطلة أرمينيا بتنفيذ الاتفاق.

في سياق الهوس بتركيا اشتكى الرئيس الفرنسي أيضاً وعلناً من الحضور التركي في أفريقيا، زاعماً أن أنقرة تستغل الماضي الاستعماري “الدموي” لفرنسا لتكريس وتوسيع نفوذها، متجاهلاً تقبّل الدول والشعوب الأفريقية لتركيا وقوتها الناعمة على كافة المستويات، السياسية والاقتصادية والثقافية والفنية.

العداء لتركيا وصل كذلك إلى حد اتهامها بتأجيج الغضب الشعبي الإسلامي، ونجاح الدعوات لمقاطعة البضائع الفرنسية ردّاً على الحملة العنصرية الفرنسية الممنهجة ضد الإسلام والمسلمين التي قادها ماكرون شخصياً.

يمكن اختصار العداء الفرنسي طوال الفترة الماضية برفض الرئيس ماكرون الاعتراف بالخسارة أمام تركيا، وتهربه المنهجي من تصديق واستيعاب معطيين أساسيين؛ أولهما تراجع فرنسا الاستعمارية في أفريقيا وشرق المتوسط والمنطقة بشكل عام، وثانيهما أن تركيا قوة ناهضة وحاضرة في تلك الساحات

بعد الفشل والتراجع أمام تركيا في سوريا وليبيا وشرق المتوسط والقوقاز وأفريقيا، عمدت فرنسا إلى تشكيل محور ثلاثي مع اليونان وقبرص الرومية سعياً لتحويل الخلاف إلى أوروبي- تركي، والمطالبة بفرض عقوبات جدية وواسعة على أنقرة، بما في ذلك حظر تصدير السلاح إليها، غير أنها عجزت عن تحقيق أهدافها في الاجتماع الأخير للاتحاد الأوروبي (10 كانون الأول/ ديسمبر 2020) في ظل معارضة أوروبية واسعة تحديداً من مثلث ألمانيا- إيطاليا- إسبانيا.

في آخر محاولاته العدائية سعى إيمانويل ماكرون إلى جذب إدارة جو بايدن إلى صفّه وجعل الخلاف أمريكيا أوروبيا – تركيا، مستغلاً أزمة منظومة الصواريخ الروسية “أس 400” بين واشنطن وأنقرة، الأمر الذي رفضته ألمانيا أيضاً عبر وزير خارجيتها هايكو ماس (22 كانون الأول/ ديسمبر)، بعدما أقر بحقيقة اضطرار تركيا لشراء المنظومة الروسية إثر رفض أمريكا ولسنوات تزويدها بمنظومة باتريوت المعادلة لها.

في العموم، يمكن اختصار العداء الفرنسي طوال الفترة الماضية برفض الرئيس ماكرون الاعتراف بالخسارة أمام تركيا، وتهربه المنهجي من تصديق واستيعاب معطيين أساسيين؛ أولهما تراجع فرنسا الاستعمارية في أفريقيا وشرق المتوسط والمنطقة بشكل عام، وثانيهما أن تركيا قوة ناهضة وحاضرة في تلك الساحات، تدافع عن مصالحها وفق المواثيق الدولية وتنحاز إلى جانب الشعوب المضطهدة وحقوقها في الاستقلال والسيادة وتقرير المصير، وفق الشرعية والمواثيق الدولية أيضاً.

في كل الأحوال تأمل تركيا، وكما قال وزير الخارجية شاويش أوغلو، أن يكون الموقف الفرنسي المستجد تعبيراً عن نية صادقة وقراءة واقعية وصحيحة لتبعات ونتائج عدائها تجاه تركيا، خاصة مع انفتاح هذه الأخيرة طوال الوقت على خوض نقاش جدي وندّي حول كافة الملفات وبلورة تفاهمات قائمة على المصالح المشتركة، كما القوانين والمواثيق والمعاهدات الدولية ذات الصلة.

 

المصدر: عربي21

اترك تعليقاً

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى