مقالات

موقف أنقرة من انقلاب سعيد

تعلم اللغة العربية بالتفاعل

أعلن الرئيس التونسي قيس سعيد، مساء يوم الأحد، في كلمة بثها التلفزيون التونسي، تجميد عمل البرلمان ورفع الحصانة عن جميع النواب، بالإضافة إلى إعفاء رئيس الحكومة هشام المشيشي من مهامه، على أن يتولى هو ذاته السلطة التنفيذية بمعاونة حكومة يعين رئيسها. كما قرر تولي منصب النائب العام، متعهدا بـ”ملاحقة المفسدين والتعامل بحزم مع الساعين للفتنة”، مبررا قراراته بأنها “إجراءات ضرورية لحماية الدستور ومصالح الشعب”.

قرارات قيس سعيد انقلاب على الديمقرطية وإرادة الشعب التونسي، مهما ادَّعى الرجل بأنها تستند إلى المادة 80 من الدستور. ولذلك لم تتأخر أنظمة الثورة المضادة في إعلان تأييدها لتلك القرارات، كما لم تخفِ فرحتها بإسقاط تجربة الديمقرطية الناشئة في بلد البوعزيزي الذي أشعل فتيل ثورات الربيع العربي.

قرارات قيس سعيد انقلاب على الديمقرطية وإرادة الشعب التونسي، مهما ادَّعى الرجل بأنها تستند إلى المادة 80 من الدستور. ولذلك لم تتأخر أنظمة الثورة المضادة في إعلان تأييدها لتلك القرارات، كما لم تخفِ فرحتها بإسقاط تجربة الديمقرطية الناشئة

الإدانة التركية الأولى بانقلاب قيس سعيد صدرت من رئيس البرلمان التركي مصطفى شنطوب، الذي وصف قرارات الرئيس التونسي بـ”الانقلاب العسكري والبيروقراطي”، مشيرا إلى أن “الشعب التونسي سيدافع عن القانون والنظام الدستوري”. كما أبدت الخارجية التركية عن قلقها البالغ جراء تجميد عمل البرلمان في تونس، وأعربت عن أملها في إعادة إرساء الشرعية الديمقراطية سريعا في البلاد. وجاءت تصريحات المتحدث باسم الرئاسة التركية، إبرهيم كالين، متطابقة مع هذه الإدانات.

رفض أنقرة لانقلاب قيس سعيد على إرادة الشعب التونسي كان أمرا متوقعا، لأنه موقف مبدئي، إلا أن نبرة التصريحات الصادرة من المسؤولين الأتراك تشير إلى أن تركيا لن تندفع لاتخاذ موقف متقدم للغاية في رفض الانقلاب، كما فعلت في انقلاب السيسي على الرئيس المصري محمد مرسي؛ لأنها تدرك أن هذه معركة الشعب التونسي، ويجب أن يخوضها هو ذاته لحماية إرادته، ولا يمكن أن يخوضها غيره نيابة عنه.

هذا الموقف، أي رفض الانقلاب دون اندفاع واستعجال في الإقدام على خطوات متقدمة، يصعب التراجع عنها فيما بعد في حال نجح الانقلابيون في تثبيت حكمهم، هو من نتائج الدرس القاسي الذي تعلمته تركيا في الملف المصري. ورأينا ذات الموقف بعد إسقاط الرئيس السوداني عمر البشير، وعدم تدهور العلاقات بين أنقرة والخرطوم، وزيارة  نائب رئيس مجلس السيادة الانتقالي محمد حمدان دقلو الملقب بـ”حميدتي” لتركيا.

هذا الموقف، أي رفض الانقلاب دون اندفاع واستعجال في الإقدام على خطوات متقدمة، يصعب التراجع عنها فيما بعد في حال نجح الانقلابيون في تثبيت حكمهم، هو من نتائج الدرس القاسي الذي تعلمته تركيا في الملف المصري. ورأينا ذات الموقف بعد إسقاط الرئيس السوداني عمر البشير

أنقرة ترى أن انقلاب قيس سعيد لم ينجح بعد، وأن هناك فرصة لإفشاله من خلال مناورات تقوم بها حركة النهضة والقوى التونسية الرافضة للانقلاب في إطار الدستور والقوانين، كعودة البرلمان للعمل، والحوار الوطني بين الأطراف التونسية كافة، أو الاحتكام إلى صناديق الاقتراع وإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية. ومن المتوقع أن تزداد ضغوط الخارج والداخل على الرئيس التونسي ليلتزم بالدستور، ويتجنب اتخاذ قرارات جديدة تعقد المشهد وتصب الزيت على النار، في ظل ارتفاع الأصوات التي تدعو الرئيس الأمريكي الديمقراطي جو بايدن وقادة دول الاتحاد الأوروبي إلى رفض الانقلاب.

وسائل الإعلام التركية في معظمها تدعو الشعب التونسي إلى التصدي لانقلاب قيس سعيد كما تصدى الشعب التركي لمحاولة الانقلاب في 15 تموز/ يوليو 2016، وتقول؛ إن الشعب التونسي أيضا يمكن أن ينجح في إفشال محاولة الانقلاب كما نجح الشعب التركي، وتلفت إلى دور أنظمة الثورة المضادة، على رأسها النظام الإماراتي، في الانقلاب وتمويله. ويمكن القول بأن موقف الشارع التركي يتطابق إلى حد كبير مع موقف الحكومة الرافض للانقلاب، إلا أن هناك أقلية من المعارضين تبدي فرحتها بقرارات قيس سعيد؛ باعتبارها تستهدف “الإسلام السياسي” وحركة النهضة برئاسة الشيخ راشد الغنوشي. ومن المؤكد أن هؤلاء يتحسرون على عدم نجاح محاولة الانقلاب في تركيا في صيف 2016.

اهتمام الأتراك بأحداث تونس وانقلاب قيس سعيد على البرلمان والديمقرطية، يعود سببه بالدرجة الأولى إلى شعورهم بأن بلدهم هو الآخر في مرمى القوى التي تقف وراء محاولة إسقاط التجربة التونسية، كما أنهم أحيوا قبل أيام فقط ذكرى محاولة الانقلاب الفاشلة

اهتمام الأتراك بأحداث تونس وانقلاب قيس سعيد على البرلمان والديمقرطية، يعود سببه بالدرجة الأولى إلى شعورهم بأن بلدهم هو الآخر في مرمى القوى التي تقف وراء محاولة إسقاط التجربة التونسية، كما أنهم أحيوا قبل أيام فقط ذكرى محاولة الانقلاب الفاشلة. ويرون أن هناك تشابها من عدة أوجه بين استهداف التجربتين الديمقراطيتين التركية والتونسية، علما بأن الرأي العام التركي كان وما زال يناقش تمويل وسائل إعلام ومواقع معارضة تركية من قبل الولايات المتحدة والدول الأوروبية بمئات آلاف الدولارات، وأهداف هذا التمويل الخارجي السخي.

وتدعو القوى الوطنية والديمقراطية إلى اتخاذ تدابير لازمة ضد تلك الوسائل الممولة من الخارج كي لا تنجح في إثارة القلاقل وتحريض الشارع وتهيئة الأجواء لانقلاب على الإرادة الشعبية، كما حدث في تونس، في إشارة إلى تصريحات الغنوشي الأخيرة التي اتهم فيه إعلام الإمارات بالوقوف وراء الدفع نحو الانقلاب واستهداف حركة النهضة.

إسماعيل ياشا _ ترك ميديا

المصدر : عربي 21

اترك تعليقاً

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى